المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : :::كتاب أبطال من الصحراء :::


عساف دخنان
01/11/07, (04:44 PM)
( بســــــــــــم الله الرحــمــــــــــن الــــــرحـــيـــــــــــم )


الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم ,,,,,,,,, أما بعد
أخواني أداريين ومراقبين ومشرفين وأعضاء وزوار منتدى شبكة ويلان العربية ، يطيب لي أن أنقل لكم كتاب أبطال من الصحراء للشاعر المرحوم الامير محمد بن أحمد السديري ، على أجزاء متتاليه ، ليتمكن القارئ من الاطلاع عليه دون ملل ، وأوردناه كما جاء في الكتاب دون نقص أو زيادة أو تحريف وخلافه .

نبذه مختصرة عن الكتاب والمؤلف

الكتاب من الحجم المتوسط يحتوى على 251 صفحة طبع مرتين الطبعة الثانية كانت عام 1420هـ
وهو الذي بين أيدينا الآن .
يحتوى كتاب ابطال من الصحراء على الإهداء و مقدمة عن الكتاب ومؤلفه بقلم الأديب عبد الله بن خميس عام 1398هـ ،ومقدمة المؤلف ، ثم يتحدث عن سعدون العواجي وأبنائه عقاب وحجاب، وساجر الرفدي ، وشالح بن هدلان ، ومحدى الهبداني ، وخلف الأذن ، ثم الفهارس ، وإيضاح لبعض الكلمات العامية .
اما مؤلف الكتاب غنى عن التعريف فهو الأمير الشاعر محمد الأحمد السديري رحمه الله .



اولأ : { سعدون العواجي }



الشيخ سعدون العواجي هو شيخ عموم قبيلة (ولد سليمان ) التي هي من أفخاذ قبيلة عنزه الكبيره ، له شأن بين قبائله ، ورئاسته لهذه القبيله عريقه، مطاعاَ بين افراد القبيله ، شجاعاَ ومشهوراَ بفروسيته، وشاعراَمجيداَ، اشعاره حماسيه....وكثيرة الفخر وكان محترماَ حتى عند أعدائه ، وله أبناء كثيرون ولكن لم يشتهر منهم سوى أبنيه عقاب وحجاب، وهما شقيقان.... أما بقية أبنائه فلم يشتهروا. وشهرة عقاب قد زادت على شهرة أبيه ، وكان من الابطال القلائل بنجد.
ولكن قبل أن يبرز أبناه وقبل أن يبلغا سن الرجوله ، حصل بين الشيخ سعدون وبين زوجته والدة عقاب وحجاب خلاف أدى الى طلاقها ، وذهبت الى أهلها في بلاد سوريه ، ومعها ابناها ، وهي من قبيلة الفدعان من عنزه الموجودين في سوريه ، وكان أخوال الشابين –عقاب وحجاب – مشهورين بين أفراد قبيلة الفدعان ، وقد تربيا في اخوالهما أحسن تربيه ، وبعد ان بلغا سن الرجوله خيلوهما وأصبحا فارسين يضرب بهما المثل ، رغم أنهما بعيدان عن والدهما ، وقد ألتف حولهما بعض من جماعتهما (ولد سليمان) من النازحين الى سوريه مع قبيلة الفدعان ،واصبح عقاب وحجاب يترأسان قسماَ من عشائرهما في سوريه ، أما الشيخ سعدون فقد بقي شيخاَ لجماعته (ولد سليمان ) في نجد ، الى أن برز شخص من أبناء عمه يسمى شامخ العواجي ،وأخذ ينازع سعدون الزعامه ،ويعرقل نفوذه على قبيلة (ولد سليمان ) ، مستهتراَ بأوامر الشيخ ، وأخذ يتحداه في كل مناسبه ن ويقـلل من قيمته عند القبيله ، ويضع العراقيل في وجهه ، واخيراَ أخذ مكان سعدون ،وتزعم القبيله ، وأخذ يعامل الشيخ سعدون معامله سيئه ، وقد وصل به الامر الى حقره وحظر عليه أن يورد أبله على أي منهل ترده قبائل (ولد سليمان ) قبل أن ترد أبل شامخ وأبل كل القبيله، ولم يجد الشيخ سعدون من قبيلة (ولد سليمان ) أي نصير ،أو سند يدفع عنه الضيم ، وبقي بينهم محتقراَ يتجرع ويلات الذل ...... وقد قال أشعاراَ بهذا كثيره ، سأورد منها البعض ..وهو الذي استقيته من رجال عنزه الطاعنين بالسن ، وهذه من بعض أشعاره :





الله مــــن هـــم بكــبـــدي ســعــرهـــا=دلَـــى يـمـل الـقـــلـب مــــل الــــشـــــواتـــــي
وش خـــانــة الــدنـيا ســـريــع دورهـا =لو أقـــبــلــن ســنــيــنــهـا مـقـــفـــيـاتـــــي
ومن عـقـب مـاني مـقـفـيٍ عـن نحرها=الــيــوم بــيــن الـــقــيـــن هو والــحــذاتــي
ومن عـقـب مانـلـبـس غرايب شـهرها=مــــن فــوق قــبٍ عــنــدنا مــكــرمــاتــــــي
يــوم أن خــيــال الــنــدم ماقـــصــرها=عــمــن جــــذت بــه نــفــهـــق الاولاتــــــي
والــيـوم طــيــبـنـا عــلى الشـيل مرهـا=ياحـيـــف مانــســتــاهــل الــمــعــســراتـــي
حــلال عـــقـــدات كــبـــار عـــبــرهـا=وخــالــق نــجــوم بـالـسـمـا ســاهــراتــــــي
مامــال الا فـــارغ مـــن زبـــــرهـــــا.=ولا حـــــي الا مــقــتــفــيــه الــمــمــاتــــــي
يــارازق الــلــي مــابــعــشــه ذخــرها=طـيــور الــهــوى فــي قــدرتــك عـأيـشــاتي
تــفــرج لــمــن عــيــنـه تزايد سهـرها=ألــطـــف بــنــا يــاعـــالــم الــــخــافــيــاتـــي
يــالـلــي خــلـقــت أقــفارها مع بحـرها=يــامــن بــحــكــمــك تــجــري الــكــايــنــاتـي
أوجــســت مــن حـر اللــيالي سـعــرها.=وذكــرت طــيــب أيـامــنــا الــفــايــتــــاتـــــي
ونــشــدت ويــن اللـــي يـنـثـر حـمـرها=وقــمــت أتــذكــر ويــن حــروة شــفــاتـــــــي
اللــي الــى الــخــيــل خــبــث كــدرهـا=صــوتـه ذعــار الـــقــرح الــصــافـــنــاتـــــي
عــقــاب الــسبــايا كـان جـاهــا ذعـرها=عــوق الــعــديـم ومــشــبــع الـــحــايـمـاتـــــي




لقد تألم بهذه القصيده ،وذكر الدنيا وميلاتها ، وتذكر ركوبه للجياد ، وأنه يرجع على الخيل الكاره ، ويهزم السابقات من خيل الاعداء ،وينقذ من تخلفت به جواده من رفاقه ، أنه لايستحق المعسرات ، لأنه اصبح العوز به ضاراً، حتى انه لا يستطيع ان يجد ما يحمل عليه امتعته ، ثم رجع الى ربه وطلب منه الفرج ، وقال هو الذي سبحانه يرزق الطير بأوكارها ، وهو الذي بأمره تجري الكائنات، ثم تذكر أبنه عقاباً ، وأشاد به ، وأخذ يسأل عنه وقال : من الذي ينثر الأحمر ؟ يقصد دماء الأبطال . أين الذي يرعب الخيل ، ويكدر صفوها ؟ أين الذي من زأرته تنفر الصافنات , ويدخل الرعب في قلوبها ، وقلوب فرسانها ؟ أنه عقاب الخيل ، ومشبع الطير من لحومهم ثم أردف بهذه القصيده الأخرى ، بين فيها أنه قد عزم على الرحيل ، ليفارق شامخاً وغطرسته ، وعندما لاحظه بعض الذين يعطفون عليه ، يجمع أمتعته ويحملها على رواحله أخذوا يلومونه وحاولوا أن يثنوا عزمه ، ولكنه أصر على الرحيل ، وقال في قصيدته أن شامخاً لاينصاع للحق ، لذلك فهو سيبتعد عنه ، ويعالج آلامه بالفراق، لأن في البعد سلوى له :


قـــالوا تــحــورف قــلــت يالــربع نــجــاع= وقــالــوا تــقــيــم وقــلــت يــالــربـع مـا قــيــم
قــالــوا عــلامــك قــلت من قــل الأفـــزاع=صــيــحــة خــلا مــاعــنــدي الا الــهــذاريـــم
والــى بــغــيــت الحــق من شامـخ ضـــاع=يــطــرم عــلـي دايـــخ الــــراس تــــطــريـــــــم
يــبــعد عــن الــفــالات طــقــه بالاصـباع=مــن قـــلــة الــلــي يــضــربــه بــالــلـهــازيـــم
ليــا صــار ما تـوفـي عـمـيـلك من الصاع =ما يـنــقـعــد لـك عــنــد حــصــن الــنــواهــيـــم
شــبــرٍ مــن الــبـيـدا يــعــوضك الأفــزاع=وســـود الــلـيـالــي يــبــعــدنـك عــن الـضــيــم


ولكن هذا لم يكن به حل لامره ، فهو اذا ابتعد عن قبيلة (ولد سليمان ) سيكون لاجئــاً عند أحدى القبائل ، وهذا يرى ان فيه نقصاً عليه بعد العز الرفيع الذي كان عايشاً فيه ، واذا أنفرد وحده في فيافي نجد فسوف يكون لقمه سائغه لبعض الغزاة من الصعاليك ، وهو لايستطيع وحده حماية نفسه ، ولذالك فقد رجع بعد ان رحل مرغما ، بهذه الظروف زاد شامخ بطغيانه وتجبره على سعدون ، الرجل الطيب الوقور الشجاع ، جرى هذا كله على سعدون ، وأبناه عقاب وحجاب عند أخوالهما بالاراضي السورية ، ولهما (مخصصات ) عند الدوله العثمانية ، مثل بقية مشائخ عنزة الموجودين بسورية . والمواصلات بينهم مقطوعة ، وأخيراً لفت نظر سعدون شخص من الذين يعطفون عليه ، ان يكتب لأولاده ويشكو اليهم ويخبرهم بأعتداء شامخ على جميع سلطاته ، فكتب سعدون لأبنيه هذه القصيدة :



يــاراكـب مــن عــنــدنا فـــوق مــــهـــذاب=مـــامــون قــطـاع الــفـــيــافـي الى أنــويــــت
عــنـد الــفـضــيـلة عـد يـومـيـن بـحــســاب=أول قــراهــم قــول يــاضــــيـــف حــيــيــــت
حـــرٍ صــغــيــر وتــوما شــــق لـه نــــاب=وعــقــب الــقــرا ودع رجــالٍ لــهــم صـيـت
وليــا ركــبـتــه ضـــربـه خــل الاجــنـــاب=وأنـحــر لـنـجــم الـجــدي وان كــان مــديـــت
وأسـلـم وسـلـم لي عـلي عـقـاب وحـجـــاب=ســلــم عـلـى مــضـنـون عــيـني الـى ألـفـيــت
بـالحــال خـص عـقـاب فـكـاك الأنــشـــاب=يـنـجــيــك كـان أنـك عــــن الــحــق عــديـــت
قـل له ترى شامـخ شـمـخ عـقـب ما شــاب=ويـا عــقـــــاب والله ذلــلـــــونـــي وذلـــــيـــت
ويا عـقـاب حــدونـي على غـيـر ما طـــاب=وقــالــوا تــودر مـن ورى الــمـاء وتــعــديـت
مـن عـقـب مـاني سـتـرهم عـنـد الأجــنـاب=ولــيـا بــلــــتــهــم قـــالـــةٍ مـــا تـــتــقـــيــــت
مــا دام شــامــخ مــالـكٍ جــرد الأرقـــــاب=لــو زيــن الـفــنــجــال لـي مـا تــقــهــويــت
يـاعـقـاب حـط بـثـومـة الـقـلـب مــخـــلاب= مــن الــعـام فــي نــوم الــعـرب مــاتهــنـيــت
عـقـب الـمـعـزة صـرت ياعـقـاب مرعـاب=والــنـاس حـــيــيــن وأنــا عـــقـــبـكـم مــيــت
من الضيم ياعـقـاب الـسرب عارضي شاب=واذويـت مـن كـثـر الــعــنـا وأســتـخــفــيــت
فــاتــن ثـلاث ســنــيــن والــنــوم مـاطــاب=وشـكـواي مـن صـدري عــبـار وتـنـاهــيـت
الــبــيــت مــا يــبـنـى بـلا عــمـد وأطـنـاب=مــتـى يــجــيــنـا عــقـاب يــبــي لـنا الـبـيـت
مــالـي جــدا الا عــضــة الــبــهـم بـالــنـاب=وراعـيــت كـثـر الحـيـف بالعـيـن وأغـضيـت
أرجــي بــشــيـر الـخــيـر مـع كـل هــبــاب=ومـتى يجـونا أخــوان نـمــشـه عـلى الـصيـت


ولا بد أن القاري لاحظ مرارة شكوى سعدون لأبنيه ، وحرارة الذلة، وكيف أنه أصبح مهاناً بين قومه، بعد ماكان يحمي حماه ويقوم بنائبات القبيلة ، وقد شكى لأولاده وبين كل ما يلاقيه من شامخ ، ثم أثنى على عقاب ، وناداه ليجلي الضيم عنه ، ويفرج كربته ، وأخيراً قال أنه يرجو البشير الذي يبشره بمقدم أبنيه مع الرياح المنطلقه
وتساءل متى يصل أخوان أبنته نمشه اللذان كان لهما صيت .


والى جزءٍ اخر ان شالله ودمتم

عساف دخنان
11/11/07, (12:22 AM)
( بســــــــــــم الله الرحــمــــــــــن الــــــرحـــيـــــــــــم )


أبطال من الصحراء ( 2 )


وبعد أن وصلت هذه القصيدة لأبنيه عقاب وحجاب ، ثارت ثائرة عقاب ، وأمر أخاه أن يهيئ نفسه للرحيل من بلاد سورية
، ويترك مقرراته التي أستحصل عليها من دولة الأتراك هناك ، مادام أن والدهما قد لحق به الأمر، ثم قال عقاب هذه الأبيات مناجياً صديقه عيداً
، وكان عيد يمتلك فرساً ليست من الخيل الأصائل ، وأشار عليه عقاب بالقصيده أن يبيعها لأنهم ذاهبون لنجد ، وليس في نجد الا الخيل العتاق
، والرماح والطعن ، وخشي على صديقه عيد أن يخوض معمعة على جواده الهجين ، ويكون ضحية بالميدان ، أو ينهزم ثم يعد من الجبناء
، وقال: ياصديقي عيد سأهدي لك أول جواد أصيل أول جواد أصيل أخذه غنيمه في أول معركة نخوضها بنجد . :



يـاعــيــد جــلــب مــهــرتـك عــفــنــة الــذيـل = لا عــاد مــا تـكــســب حــذا قــول خــيــال
رحــنــا لــنــجــد ولا بــنــجــد مــحــاصــيـــل= نـطـعـن ونـطـعـن فــوق عـجـلات الأزوال
ان طــعــتــنــي ياعــيــد بــدل بــهــا كــــيــل= ودور لــهــا مـــن غـــاية الــســـوق دلال
ان نـرت قــالـوا عــيـد عـــيـل هــــل الــخـيـل = وأن هــــشــت قــالــوا رد مـنـهـم بـخــيــال



قال الفارس عقاب هذه الأبيات ، فأطاعه صديقه عيد وباع الفرس ، وأشترى لأولاده زاداً ، ورحل عقاب وأخوه وصديقهم عيد ومعهم بعض الخدم ، وترك جماعته الذين من (ولد سليمان) بسورية ، ومشى بظعينته الى نجد وقد أستغرقت رحلته ثلاثين يوماً ، وصل بعدها بالقرب من منهل يسمى (الحيزا) من ديار قبيلة (ولد سليمان ) وقد باتوا على مقربه منها ، بعد أن تأكدوا أن أبل قبائل (ولد سليمان ) وارده على هذا المنهل ، في الليلة المذكورة وبعد طلوع الفجر الأول ، قام عقاب وتأبط سيفه ، وأمر أخاه ومن معه أن يتبعوه بظعينتهم ، ثم مشى على قدميه متجهاً الى العرب الذين على (الحيزا) مختفياً ، وأخذ يبحث عن بيت والده سعدون ، وكان قد أستوصف من الناس مايدله على بيت أبيه وقد قيل له .. أن شامخاً أمر على أبيه بأن لايرفع بيته بين بيوت القبيلة ، أذلالاً له وكذلك أمر راعي أبله قليلة العدد ، أن لا ترد على الماء الا بعد أن ترد أبل الحي بأكملها ، وعندما وصل بيت والده قبل طلوع الشمس ، وقبل أن يرد أحد على البئر ، وجد والده نائماً ، وكذلك راعي أبل والده نائماً بين الأبل ، فأيقظ الراعي ، وقال له: قم أورد أبلك الماء ، فقال له الراعي: لا أستطيع ياعماه ، لأن الشيخ شامخاً سيضربني ، وقد أمرني أن لا أرد الماء الا بعد أن ترد القبيلة ، فنهره عقاب بشده ، وحاول الراعي أن يعتذر لأنه لايعرفه ، فأكد عليه ، وقال له: أورد أبلك وأنا معك ولاتخف ، ومشى الراعي قسراً بالأبل الى البئر ، وأختفى عقاب بين الأبل ، وعندما وصلوا قرب البئر ، شاهد شامخ أن راعي أبل سعدون قد ورد الماء ، عاصياً لأمره فثارت ثائرته ، ونادى الراعي ، وتهدده ، فقال عقاب للراعي بصوت لايسمعه شامخ : أمض لسبيلك ولا تجبه ، وعند ذلك أشتد غضب شامخ ، وأخذ عصاه ، وأقبل من بيته يعدو ،ليشبع الراعي ضرباً كعادته ، وعندما قرب شامخ منه ، خرج عليه عقاب من بين الأبل ، كأنه الأسد ، مجرداً سيفه ، ووثب على شامخ ليقتله ، وعندما رآه شامخ عرف أن هذا عقاب ، الذي خبر أوصافه ، وتأكد من شاربيه اللذين يلامسان أذنيه ، فصعق شامخ ، وعرف أنه لا يستطيع الدفاع عن نفسه ، ولا يتمكن من الهرب الى بيته ، ففضل أن يرمي نفسه بالبئر الفريبه منه ، وفعلاً رمى نفسه ، وأطل عليه عقاب ، وأدلى عليه الرشا ، وقال: أخرج ، فقال: هذا هو قبري ،لا يمكن أن أخرج الا أن تعفو عني ، فقال عقاب: أن جبنك الذي رأيته سيجعلني أعفو عن قتلك مشروطاً ذلك بعفو الشيخ سعدون أي أبيه فترك عقاب راعي الأبل يسقيها ، وأمر من حوله أن يخرجوا شامخاً الجبان الذي أختار أن يرمي نفسه بالبئر ، ورجع عقاب بعد أن رأى أخاه حجاباً قد وصل بالظعينه ، فأومأ اليه نحو بيت والده ، وأمرهم أن يبنوا البيت الكبير ، وأن يرفعوا عماده ، وبعد أن سلموا على والدهم ، تهلل وجهه بشراً ، وسر برؤية أبنائه ، وبعد أن بنى البيت أثثوا مجلسه بأحسن الأثاث ، وهيئوا مقعداً وثيراً لوالدهم من أحسن المفروشات التي تنسج بسورية آنذاك ، وطلبوا من والدهم أن يجلس عليه ، ثم أمر عقاب صديقه عيدا أن يركب أحدى الخيل ، ويبلغ القبيلة بأن يحضروا للسلام على الشيخ وولديه عقاب وحجاب ، فراح صديقهم مسرعاً وبلغ القبيلة بعد طلوع الشمس فجائت قبائل (ولد سليمان) وسلموا على سعدون وأبنيه وتمت البيعه لسعدون من جديد ، وقد أعجبوا بعقاب وحجاب ، وكان أعجابهم بالشيخ عقاب عظيماً جداً ، حيث تأكدوا من رؤية الرجل الذي سارت بأخبار شجاعته الركبان من بلاد سورية ، وقد تم التحول بهذه الطريقة البسيطة ، وأشاد أبناء سعدون مجد والدهما من جديد ، وراح شامخاً نسياً منسياً ، وقد عفا عنه الشيخ سعدون ، لأنه رآه لا يستحق أن يجازيه على أفعاله ، لما ظهر من جبنه ، لقد رفع عقاب وحجاب والدهما الى القمة ، وأخذ الشيخ سعدون يصول ويجول في بلاده ، لايخشى أحداً من القبائل ، وزاد به الأمر أن أجلى بعض قبائل شمر عن بلادهم ..... ولا شك أن هذا يسواعد أبنائه ، خاصه أبنه عقاب الفارس الشجاع .
وذات يوم بلغ سعدون أن أراضي ( بيضا نثيل ) مخصبه ، وهذه يملكها مسلط التمياط ، شيخ قبيلة التومان من شمر، فالتفت سعدون الى ولديه عقاب وحجاب ، وقال لهما : أنني أحب أن أرحل الى (بيضا نثيل ) وآخذها عنوة من مسلط التمياط وجماعته ،فأجاب أبناه بالسمع والطاعه ، وقالوا : عليك أن تأمر ، ونحن سنأخذها قسراً ، فأمر سعدون العرب بالرحيل ، لأخذ (بيضا نثيل ) من التمياط ، وقال سعدون : سأرسل له هذه القصيدة أن يترك (بيضا نثيل ) بدون حرب . لأنه يحب أن يدلل أبله بها ، لأنها مخصبه .
:

وهذه هي القصيدة :

يـاراكـب الـلـي مــا لـهـجـهـا الـجـنـيـنـا = مـاهـي وحـدهـا ثـامـنــة لـهـا ثـمـــــانــا
فــج الـنـحــور مـحـجـــلات الـيــديـــنـا = مــن سـاس عـيـرات وابـوهـم عــمـــانـا
بـلــفــن لـمـسـلــط تـرثـة الــغـانـمـيـنــا= قــل أرحـلوا عـن جـوكـم صـار مــــانـا
نـبــي نـدلـــه مـــقـرعــات الــحـــنـيـنـا = أذواد مــن رعــي الـمـخــافـه ســمــــانـا
مـاهـم بـورث أجـدودنـا الـمـقــدمــيـنـا = كـسـب بـالأيـدي مــن حـلايــب عــــدانـا
نــفـــكــهــن مــن لا بـــة مــعــتـديــنـــا = ومـن دونـهـن عـود الـعـريـني عـصــانا
يـرعـن بـظـل عـقـاب مـروي الـسـنـيـنا = الـلــي لـيــا صـــارت عــلـيـنـا حــمـــانـا
وقـولـوا لـهــم تـرانـا يـمـهــم مـقـبـلـيـنـا = ويـقـصـر عـن الـطـولات كــانـه بـغـــانـا
عـــــدونـا نــجـــيــه لــو مـا يــجــيــنــا= ونـضـفـي عـلـى عـدونـا مــن خـــطــانـا
ونـركــب عـلـى الـلي كـنـهـن الـشـنـيـنـا = خـيـل الـصـحـابة ما أعـتـرضهـن حصانا
والـمـوت عـنـد أقـطـيـهـن وان حــديـنــا = ويــاســرع رد وجــيــهــهـن مــع قــفــانا


وفعلاً اخذوا (بيضا نثيل ) من ( مصلط التمياط ) ، وأتسعت حدود سعدون العواجي هو وقبيلتة ، الى أن بلغت من (خيبر ) الى قرب طي وشمالاً (تيماء) والنفود. ومع كون عقاب أشتهر بالشجاعة والفتك ، فقد هام بغرام أحدى بنات الحي وتسمى ( نوت) هذه الفتاة كانت أجمل فتاة بين قبائل عنزه ،ويضرب المثل بجمالها ، وقد قال عقاب فيها الاشعار الكثيرة ، وقد بحثت عن أشعاره بمحبوبته ( نوت ) ولكني لم أظفر الا بأربع قصائد ، أدونها للقارئ تباعاً وهي كما يلي ::


يا ونتي با قصى الضماير سندها = لا رقبت مشذوب المراقيب تزداد
ونة عجوزِ مات عنها ولدها = رملى ضعيفة مالها غيره اولاد
على الذي مثناة قلبي عقدها= حبه بمكنون الحشا يسند أسناد
وعروق قلبي يبستهن بيدها = صارن كما شن على الدار بياد
أن أبعدت عيني يجيها رمدها = ودموعها تسقي قناطيش الاذواد
وان قربت كبدي يجيها لددها = مرٍ هنوع ومرٍ ماتقبل الزاد
اللي كما الفنجال غزة نهدها = والثوب عن روس الثمر غادٍ ابجاد
ذكرت ربي يوم قضت جعدها = خلاقها رب له الناس سجاد
ريميه ما ترتع الاوحدها = تقطف زما ليق الخزامى بالاجراد

ثم قال قصيد ته الثانية شاكيا غرامه ب( نوت ) وشاكيا لواعجه وما يقاسيه بحبها وهذه هي ::



واكبدي اللي كن به حمو لا لي = بالقيظ والا حامي الجمر ناله
تفوح فوح مبهرات الدلالي = جزل حطبها ركده ثم شاله
والعين جابت دمعها بانتلالي = يشدي هماليل المطر من خياله
من واحد يتعب على شده بالي = لو ماعنت رجلي فقلبي عناله
عينه تشادي قلته بالظلالي = في حد لوح ماتنوله حباله
وقذيلته يلعب بها الهملالي = بدف الظليم ويتعب الي حباله
اللي بميدان الموده مشى لي = يرخص كلامه ويتغالى حلاله
أنا أشهد انه بالهوى سم حالي = ويبس عروق الجسم واذوى خياله
عندي غلاه مرخص كل غالي = طفلٍ معذبني بزايد دلاله

عساف دخنان
11/11/07, (12:23 AM)
وأما قصيدته الثالثه فقد شكى فراق محبوبته ، وكان أهلها رحلوا بها بعيداً عنه، وحالت بينه وبينها الفيافي الشاسعه ، ولايستطيع أن يصل اليها ، وأخذ يصف مابينهما من البعد ، ويشكو الى أخيه حجاب في هذه القصيده : :


من دون خلي حال (عرنان) و(كباد) = و(حلوان) مرفوع الحجى حال دونه
شدوا وخلوني على الدار ركاد = وقفت مع الجرعا تبارى ظعونه
والدمع من عيني على خدي أبداد = مثل الغشين اليا أنتثر من زونه
فرقى لطيف الروح ياحجاب لاعاد = عقبه ضميري يابسات شنونه
ياحجاب كان أنك عن الحال نشاد = خلي بقلبي جايرات طعونه
اللي ذبحني بالهوى يابن الاجواد = طفلٍ قرونه ماغطاهن زبونه
طفلٍ لشراد المها صار قواد = يحير عقلي في تواصيف لونه
حبه بمكنون الحشى يسند أسناد = وأن خانني ياحجاب ربي يخونه

هذا ماحصلت عليه من قصائد عقاب العواجي بمحبوبته (نوت) ولابد أن لم أشعاراً كثيرة،لأن غرامه معها كان طويلاً ، وكان مستفيضاً بنجد ، حتى أن الفارس الشجاع والعاشق المعروف نومان الحسيني ، كان في رحلة صيد ، ومعه عبده قنيبر، ومعهما طير(صقر) وقد أطلق الصقر على حبارى ولحق به نومان على جواده يعدو وأثناء تتبعه له ، مر بفتاة بديعة الجمال ، راكبه بكرها داخل هودجها ،وقد أعجب بها ، وترك الصقر والحباري ، وأوقف جواده عند الفتاة،وأخذ يغازلها ، لعله يظفر بعطفها وغرامها ، ولكن الفتاة لم تلتفت لكل ماأبداه ،من تودد وأخذت تسأله عن شئ لم يخطر بباله ، أنه تسأله عن أشعار عقاب العواجي بمحبوبته (نوت) وتلح عليه أن يخبرها أن كان يعرف شيئاً من ذلك . لقد خسر نومان صقره ، الذي غاب عنه بالصحراء يطرد طير الحبارى ، وخسر ماهو مؤمله من غرام الفتاة ، لقد دفعت بكرتها ولجقت بظعون أهلها الذين كانوا راحلين في الصحراء ، ورجع نومان الى عبده قنيبر ، فسأله العبد عن الصقر، فأجابه نومان بهذه الأبيات ::



الطير مني ياقنيبر غدا فوت = يطرد حباري خم تالي المظاهير
دليت أنط النايفه وأزعج الصوت = الياما أبعدوا عنا العرب وأنتحى الطير
ألهتني اللي كن عينه سنا موت = نجل عيونه والثنايا مغاتير
تقول وش قال العواجي على نوت = شبه الطيوح اللي تحط المقاهير


وهذا دليل على أن غرام عقاب بنوت كان مهوراً .
و( لرحيل ) والد (نوت) أخ يسمى (قرينيس) له ثلاثة أبناء ، أحدهم أبرم عقد نكاحه على نوت بنت رحيل ، ولكنها رفضت الزواج من أبن عمها هذا ، لأن غرامها بعقاب قد تمكن من قلبها ، ولاترضى الزواج بغيره ، وكان بينهما روابط قوية ، وأخيراً أضطر عقاب الى أن يأتي اليها بوضح النهار ، على مرأى ومسمع من أهلها ، ويجلس بالقرب منها ، ويحدثها ماطاب له الحديث ولا أحد يجرؤ أو حتى يفكر بمنعه ، وكان عشقاً بريئاً كل البراءة ، وبعيداً كل البعد عن الرذيلة ، وبمنتهى العفة والشرف .
لقد لاحظ ذلك أبن عمها المعقود له عليها فتشاور مع أخوانه بالأمر ، وقرروا أن يذهبوا لعمهم
(رحيل) ويخبروه أن أمر عقاب تعدى الحدود ، وأنهم لايقبلون أن يأتي عقاب لأبنة عمهم ، أمره ، وأن أصر على تحديه فسنقتله ، ونحن نطلب رأيك ، فنظر اليهم عمهم طويلاً ، ثم هز رأسه ، وقال هذه الكلمة : ياويلكم من عقاب !! ياويلكم بعد عقاب !! وقام بعد هذه الكلمة ، وهنا بهتوا ، وبقوا يتسائلون عن معنى كلمة عمهم ، فقال أكبرهم : نعم أن عمكم يقول ياويلكم من عقاب أن حاولتم قتله ، وهذا شئ من المستحيلات ، لأن عقاب كما تعرفونه ليس بالسهل قتله ،أما قوله ياويلكم بعد عقاب ، فمعناه أنكم لو ظفرتم بعقاب وقتلتموه فقد هدمتم عزكم ، وخسرتم الشخص الذي أرهب أعدائكم ، وحمى بلادكم ،وفتحنا بيننا وبين أبناء عمنا مشكلة كبيرة ، ستكون سبباً بأنقراضنا جميعاً ، وأن أفضل أن تتركوا ( نوت ) لعقاب ، وهو أحق بها ، لأنه يحبها وتحبه ، وهذا هو أفضل شئ نعمله لحل المشكله ، وقد أجمعوا على هذا الراي ، فتم طلاق (نوت ) وتزوجها عقاب ، وبلغ إمنيته بنوت التي هام بغرامها سنين طوالا ، وبعد أن عرف عقاب ما دار بين الأخوه وعمهم ، رحيل العواجي ، وأنهم طلقوا نوت من أجله رأى لزاماً عليه أن يقابل الجميل بالجميل ، وكانت له أخت تسمى ( حرفه ) سبق أن عقد لها على أبن عمها القريب المسمى ( دغام الأحيمر ) ، لذالك أرسل عقاب لأبن عمه ، وأخبره أن أبناء قرينيس العواجي عملوا معه جميلاً وطلفوا بنت عمهم نوت من أجله ، وأنه يجب أن يكافئهم ، ونظراً لأن حرفه رافضه الزواج منك ، فأنا أحب أن تطلقها لأزوجها على الذي طلق نوت من أجلي .. فقال ؟ أنا لن أطلق حرفه ولو قطعت رقبتي ، فثار عقاب ، وأقسم على نفسه أن يقطع رقبته في الحال وطلب سيفه ، وكان عقاب لا يقول شيئا الا فعله ، وعرف دغام أنه قاتله لا محاله ، وحالاً أرتمى على ركبتي عقاب ، وأخذ يقبلهما معلناً طلاق حرفه ، جهاراً بصوته ، وبعد الطلاق زوجها عقاب سعود بن قرينيس ، الذي طلق (نوت) وكذلك أرسل لأخويه الأخرين ، وقال لهما أن هاتين الطفلتين يقصد أبنتيه الصغيرتين اذا بلغتا سن الزواج فسوف أزوجهما بكما ، وفعلا زوجهما بهما ، وأنجبت كل واحده منهما . ومن الثابت عندي أن أسباط عقاب من أبنتيه هم الذين يترأسون قبيلة ( ولد سليمان ) ، وقد وصلت اليهم الرئاسة بعد وفاة عقاب وأبنه ، ولازالوا هم رؤساء القبيلة ، ويقال لهم آل محمد.
:

عساف دخنان
19/11/07, (02:41 AM)
( بســــــــــــم الله الرحــمــــــــــن الــــــرحـــيـــــــــــم )

نرجع الى الشيخ سعدون والد عقاب ، بعد أن أستولى على ( بيضا نثيل ) من التومان ، حصل بينه وبين قبائل شمر معارك هائلة ، حتى أجلاهم عن بعض مساكنهم ، وقد دافعوا دفاعاً بطولياً خاصة قبيلة الغيثه من عبده ، أما مصلط التمياط وقبائله ، فقد جلوا عن ديارهم واستولى عليها سعدون وأبناؤه ، ولم تزل يملكها العواجية الى الأن
بعد أنتصار سعدون العواجي على مصلط التمياط وقتله أبن أخيه ، قال الشيخ سعدون هذه القصيده:
:




ياراكب من عندنا فوق نسناس= يشدي ظليم جافل مع خمايل
زين القفا ناب القرا مقعد الراس = ومعرب من ساس هجنٍِِِِ اصايل
لامد رواي ولا راح عساس = عروٍ الى ما فات حمو القوايل
اليا جيتهم في ربعة الشيخ جلاس = ينشدك من هولي صديق يسايل
قل صبحونا أجرودهم ما لها اقياس = سكن الجبل جانا مع الصبح صايل
وانا أحمد اللي عاضهم كسرة الباس = كسيرة وصلت قفار وحايل
في روضة التنهات قرطن الألباس = وذبحٍ لياما جيت بيضا نثايل
وكم جثةٍ مجدوعةٍ مابها راس = بسيوف يشفن الطنا والغلايل
وكم سابقٍ راكبها طاح منحاس = من المعركه يجيك للقاع مايل
والصبح جانا مصلط دايخ الراس = وجاه العقاب الصيرمي فوق حايل
وأعذر بنقل السيف واعذر بالألباس = وراحت تقمز به زبار المسايل
وجرس خلي في زواقيب حراس = وياويل مسلط عقب واف الخصايل
وليا قعد بالبيت يزهي بالألباس = عمره صغير وماضي له فعايل




بعد هذا ارسل مفتاح الغيثي الى قبائل شمر يستحميهم ويطلب منهم النجده ، فحضر عدد منهم ووقفوا في وجه سعدون ، وقفة الابطال ، وحصلت بينهم وبين سعدون معركه هائله على المنهل المسمى ( بظفره ) وهو من مياه شمر ، انتصرت فيها شمر على العواجي وقبائله ، وقال شاعر شمر رشيد بن طوعان هذه القصيدة يصف المعركه ::



يامزنةٍ غرا نشت له رفاريف = هلت على ظفره مطرها انهشامي
زبيديها روس المهار المزاعيف = وعشبه قرون مسيحين الاودامي
تصرخ بها حدب السيوف المهاديف = وتفتح بها بقع النسور الاثامي
دزٍ بعودان البلنزا وتنجيف = وروحوا وراكم يافروخ الجلامي
ظعاينٍ تسري وتجري من السيف = ومن (واقصة) ما شيعوا للمقامي
زمل الطواليات جنك مزاهيف = على جناح الكود يمشن همامي
يتلون عدوان زبون المشاعيف = كسابة العيدان ريش النعامي
نهجت اسر جموعهم بالتواقيف = الن وجيه جموعهم بالنخدامي
ونظرت ربعي عايزين التواصيف = الى الخيل بالزهام والجمع زامي
ونعمٍ من العصلان وأولاد اباسيف = وعيال عليا كانها بالتحامي
ان فات ما بقفوشهم والتطاريف = ردوا لنصب مفككات اللجامي
انا أشهد ان قلوبهم صمع ياخليف = وردوا حياض الموت ورد الظوامي
وديارنا حنا لنا به تصاريف = (سلمى) و(رمان) و(اجا) و(العصامي)
عيناك يارمان زين الهفاهيف = ياما ذبحنا دونها من غلامي
نطعن ونطعن عند هاك الكراشيف = وتسعَر دونه عمار تسامي
نبي نقلط ميرهن للضياييف = ان صكت البيبان دون الطعامي



ورغم أن شمر أنتصروا بهذه المعركه فأن سعدون العواجي وأبناءه لم يفقدوا شيئاً من أراضي شمر التي كسبوها .
لقد أتفقت شمر على أن يصبوا فنجان من البن ، ويضعوه بينهم ، ويقولون لفرسانهم : الذي يشربه في مجتمعهم هو المسئول عن قتل عقاب ، في أول معركه نخوضها معه ، أنه لا يمكن أن يتجرأ على شربه ، الا من كان قوي الجنان ، وعنده الثقة بنفسه ، فقام شاب من بين الصفوف يسمى ( أبا الوقي ) ولم يكن من عائلة لها ماض بالفروسيه ، فأخذ الفنجال وشربه ، في مجلس شمر ، وقال : أنا شارب فنجال عقاب ، وسأقابله على ظهور الخيل ، وعندما التحم شمر في معركة مع (ولد سليمان) جماعة عقاب العواجي ، وعندما رأى (أبا الوقي) عقاباً بين الخيل ، دفع جواده ، وكان عقاب لا يظن أن أحداً يتجرأ ويهجم عليه ، خاصة مثل هذا الشاب الصغير ، فلقيه عقاب ولما أقترب كل واحد من الآخر أطلق كل منهما سهمه على الآخر ، ولكن لم يصب أحدهما ، والتصقت جوادهما ، وتماسكا بالأيدي على ظهور الخيل ، ثم وقعا على الارض ، فهجمت فرسان عنزة لتخليص عقاب وهجمت فرسان شمر لتخليص ابا الوقي ، الشاب الذي ضرب أروع مثل بالبطوله ، ونفذ ما التزم به ، ودارت المعركة وحمي الوطيس ، وثار غبار الخيل ، وغطى كل شئ ، حتى أن الفارس لا يبصر الآخر ،وتخلص عقاب من الشاب أبا الوقي ، وقام من الارض والغبار يحجب كل واحد عن الاخر ووقعت يد عقاب على سيف بالارض وامسك بجواد واقف فوق رأسه ، وكذالك أبا الوقي هو الاخرأخذ سيفاً ، ووجد جواداً من حوله، فأخذه وعندما أفترقا اذا بالسيف الذي مع عقاب هو سيف ابا الوقي وكذالك الجواد كان جواده ، وابا الوقي وجد ان السيف الذي معه والجواد هما سيف وجواد عقاب ، وانفصلت المعركة بعد ذلك ، وكانت النتيجة خيبة امل للشيخ سعدون ، لأنه رأى بالأمر غضاضة عليه ، حيث أن جواد وسيف أبنه يأخذهما شاب صغير من قبيلة شمر ، ليس معروفاً، ولم يكن له ماض ، وليس كفواً لمقابلة عقاب في نظره ، وقد قلق للأمر وسهر ليلته ولم ينم ، فجاء اليه شيوخ قبيلة (ولد سليمان) وقالوا له لا تقلق يا ابا عقاب ، على فقدان جواد وسيف ، فكل خيلنا وسيوفنا نقدمها لعقاب عوضاً عن جواده وسيفه ، فقال: أنا لا يهمني جواد عقاب وسيفه ، ولكن الذي يشغل بالي ويحز في نفسي وأخشى منه ، هو أن شاعر شمر مبيريك التبيناوي ، قد يقع على بيت من الشعر ، عالق في ذهني الآن ، فقالوا: ماهو البيت ياسعدون الذي تخشى ان يجده شاعر شمر ؟ فقال لهم هو هذا البيت :
:



السيف من يمنى عقابٍ خذيناه = والخيل بدل كدشها بالاصايل


وفعلاً وقع ما كان يخشاه سعدون ، حيث بعد أنفصال المعركة ، قال شاعر شمر مبيريك التبيناوي
قصيدة من ضمنها البيت الذي أشار اليه سعدون ، وهو ثاني بيت من القصيدة الآتية :
:



أبا الوقي يالبيض خضبن يمناه = وانا شهد انه من عيال الحمايل
السيف من يمنى عقاب خذيناه = والخيل بدل كدشها بالاصايل
هذي سلوم بيننا يالقراباه =يازين بيع المنسمح يابن وايل
وعقاب ما سبه ولا سب حلياه = ان جو على قب المهار الاصايل
يركض على الصابور ما به مراواه = شئ تعرفه كل سمو القبايل
لا شك عندي له فهود مغذاه = عيال شمر فوق قب سلايل

عساف دخنان
19/11/07, (02:42 AM)
وفي بعض السنين نزل على سعدون وأبنائه الشيخ مجول بن شعلان ، ومعهم قسم من قبائل الرولة أيام الربيع ، وقد أتفق مجول بن شعلان وسعدون العواجي أن يغيروا على قبائل حرب الموجودين بأراضي ( رخا ) الماء المعروف ، وفعلاً غزوا حرباً وأغاروا عليهم بالمكان المذكور ، وأخذوا منهم مواشي كثيرة ، من بينها أبل مشهورة تسمى ( بشملا ) وكان زعيم قبائل حرب أبن فرهود ، وكان غائباً عندما أغاروا عليهم ، وبعد أن رجعوا الى ديارهم غانمين رحلوا جميعاً الى الشمال ، بديار سورية ، لأنها باردة في أيام الصيف ، وعندما علم أبن فرهود شيخ قبائل حرب ، برحيل سعدون العواجي وأبنائه وعربانهم مع الشيخ مجول بن شعلان ، أرسل لهم هذه القصيدة يتهددهم ويقول : أرجعوا لدياركم محاولاً أن يأخذ ثأره منهم ، ومبيناً ندمه أنه لم يحضر عندما أخذت الابل المشهورة ( شملا ) وهذه قصيدته ::



يامجول الغيبات يقضا بها دين = غيبة جنبها يوم جاها الزوالي
لا واخسارة لبسنا للتوامين = يوم أن شملا غربت للشمالي
ياعقاب لا تقفي بثار الشعالين = أنكس لدارك يا كريم السبالي
نجي على قب سواة الشياهين = سوٍ على اللي ينزلون الجبالي
نبي نطارد شاربين الغلاوين = وناخذ عوض شملا بكارٍ جلالي
أما جدعنا عقاب ليث الغلامين = والا جدعنا حجاب ريف الهزالي



وعندما وصلت هذه القصيدة سعدون أجابه بهذه القصيدة :


أثاري كذبك يابن فرهود بالحيل = تقول من خوفك نحرنا الشمالي
لولا علومك ما نكسنا عن الكيل = من ديرة اللي شفها شف بالي
ياناشدٍ عنا ترانا مقابيل = ننزل لكم ( رخا ) وناخذ ليالي
نبي نطاردكم على شرد الخيل = ونشوف منهو للسبايا يوالي
واللي يطارد خيلكم صفوة الخيل = بايمانهم مثل المحوص المدالي
وعقاب فوق مشمر تكسر الذيل = شلايعه من خيلكم كل غالي
اليا عدا فيكم عدا فيكم الويل = ويروي حدود مصقلات السلالي
نطاح قاسين الرجال المشاكيل = وبالفعل تشهد له جميع الرجالي
ياويلكم من زايدات الغرابيل = ان طار عن قحص المهار الجلالي
انشد وتلقانا على قرح الخيل = بايماننا ريش الغلب له ظلالي
عدونا نسقيه ويل بثر ويل = وصديقنا يشرب قراح زلالي



ورجع سعدون بقبائله متحدياً ابن فرهود ، ونزل منهل رخا وأغارعلى قبائل حرب ، وأخذ أموالاً وخيلاً كثيرة ، بعد أن توارى عنه أبن فرهود ، وهرب طالباً لنفسه النجاة .. ثم قال سعدون هذه القصيدة مفاخراً ومشيداً بفعل أبنه عقاب وقومه وقال أن حرباً نفرت منهم مثل ما تنفر الأغنام من الذئاب ، وهاهي القصيدة ::



ان كان ابن فرهود يطلب لقانا = جينا على الزرفات خيل الصحابة
جينا وربعه قوطره في نحانا = مثل القطيع اللي نحته الذيابه
وشملا تزايد نيها في حمانا = ويا ما خذينا غيرها من جلابه
وجبنا البكار المكرمات السمانا = وطرش كثيرٍ ولا عرفنا حسابه
حنا ليا صلنا طوال خطانا = وهذي عوايدنا نهار الحرابه
نجيك فوق مكاظمات العنانا = صفرٍ عليهن لا بسين العصابه
عاداتنا وان كان شفنا أقبلانا = من دمهم (رخا) نروي ترابه
وعقاب فوق مشمر بمعدانا = الخيل في يوم الملاقى تهابه
منكم يروي حربته والسنانا = وفرسانكم قفت ذعرها عقابه
جاكم سريعٍ بالعجل ما توانا = ومن يوم حل بخيلكم جا ذهابه
منكم خذينا يالحريبي قرانا = كل أبلجٍ حنا قصرنا شبابه
نرقد بامان الله وتسهر عدانا = ومن فعلنا يسهر كبير المهابه
حريبنا يقضي ويلقى عيانا = مثل الخشوم الطايله من هضابه



بعد أن رجع سعدون وقبائله الى موطنهم ، كان عقاب لا يكفيه أن يهاجم عرباناً بعربانه ، ولكنه كان دائماً يغزو غزوات بعيدة المدى ، يغنم فيها أموالاً من مواشي الأعداء البعيدين ، وكان يغزو أحياناً جهات القصيم ، وأواسط نجد .
وفي غزوه من غزواته صادف ثلاثمائة فارس من فرسان حرب وان معه ثمانون فارساً فوقع الطراد بينه وبينهم وحصل خسائر بين الجميع ، ولم يغنم أبلاً من حرب ، رغم أنه لم يغزو الا من أجلها ، وأثناء رجوعه وعند وصوله الى أحياء قبائله ، أعترضته فتاه تسأله عن حليلها وكان من الفرسان المرافقين له :




يا عقاب يا حبس الظعن باللقا الشين = ياللي حريبك بالهزيمة يمنا
عينت ذيب الخيل يوم الأكاوين = نور العيون بغيبة الشمس عنا
هو سالم والا رموه المعادين = يا عقاب خبرني تراي أتمنا


فأجابها :



يا بنت يللي عن حليلك تسألين = حنا لنا حي يسألون عنا
خمسة عشر ليلة على الوجه مقفين = ندور وضحٍ بالأباهر تحنا
وسفنا هل البل شاربين الغلاوين = من دون رخم للحوبر تحنا
جونا ثلاثميه وحنا ثمانين = مثل المحوص الشلف منهم ومنا
وبانت رديتهن وشفنا الرديين = وكل عرفنا عزوته يوم كنا
ليتك تراعي يا عذاب المزايين = يوم أن عيدان القنا يطعننا
منا حليلك طاح بين المثارين = في ديرةٍ فيها الوضيحي تثنا
ومنهم جدعنا عند شوقك ثلاثين= وكم خيرٍ من راس رمحي يونا
في ساعةٍ فيها تشيب الغلامين = أنطح نحور الخيل يوم أقبلنا
ياما نقلت الدين وألحقته الدين = وحريبنا في نومته ما تهنا
أرسي لهم يا بنت وأنتي تعرفين = لياما حمام النصر رفرف وغنا
واردها والحق ربوع مخلين = بوجيه قومٍ يطلقون الأعنا
عاداتنا نخلي سروج المسمين = ونروي حدود مصقلات تحنا
وقلايعي من نقوة الخيل عشرين = قبٍ ولا فيهن ثبارٍ ودنا


بهذا أنبأها عقاب أن حليلها قد قتل .

عساف دخنان
29/11/07, (03:14 PM)
( بســــــــــــم الله الرحــمــــــــــن الــــــرحـــيـــــــــــم )


أما قبائل شمر فلم ينسوا ماخسروه من ديارهم ، لقد أرسلوا رسلهم لقبائل شمر النائيه يستنجدونهم على سعدون وأبنائه ، وفي هذا الأثناء غزا هايس القعيط شيخ قبيلة آل بريك - شمر- من الجزيرة بالعراق، ومعه سبعون فارساً غزا بلاد ( ولد سليمان ) جماعة سعدون العواجي ، وعندما كمن بالقرب من مغالي أبل ( ولد سليمان ) رآهم شخص من قبيلة آل سويد من شمر ، وكانت والدته من جماعة سعدون العواجي وهم أخواله ، فذهب لهم وأنذرهم هجوم شمر أهل الجزيرة الذين يترأسهم هايس القعيط ، وسميت بعد ذلك عائلة هذا الشخص ( بالنذرة ) ولا زالوا بهذا الأسم حتى الأن بين شمر ، وعندما علم (ولد سليمان) أن هايس القعيط ومن معه قد كمنوا لأبلهم هبوا وركبوا خيولهم ، وراحوا للأبل بالمفلى من ليلتهم ، وفي الصباح أغار عليهم جماعة هايس القعيط ، يتقدمهم زعيمهم البطل الشجاع هايس ، وحصلت المعركة بينهم ، وهزم هايس وجماعته وجماعته ، وألقوا القبض على سبعين شخصاً كانوا من جماعة القعيط يحملون الماء والشعير، للسبعين الجواد التي عليها الفرسان ، وهؤلاء يسمون ( زماميل الخيل ) ، وراح عقاب يطارد فرسان شمر المنهزمين ، وأتبعه أخوه حجاب ، وعندما أبصر هايس القعيط عقاب وحده وأخوه يتبعه بعيداً عنه ، التفت الي جماعته وقال : اليوم هذا يوم الثأر ، أنظروا عقاباً وحده ، والذي أتى به اليوم هو حظكم يا فرسان شمر ، ويجب علينا أن نهب عليه جميعاً لعلنا نظفر به ، وأذا أراد الله وقتلناه فقد أخذنا ثأر شمر جميعها ، وذكرهم بفارس شجاع قتله عقاب بالعام الماضي ، وهو هذلول الشويهري ، وكان عزيزاً على كل قبائل شمر ، وفقدانه كان خسارة عليهم ، فشحذ هممهم
وأستثارهم ، فصمموا أن يهبوا هبة رجل واحد ، وفعلاً جرى ذلك عندما أقتربوا من كثبان من الرمل تسمى ( زبار وريك ) ، وكان عقاب على مقربه منهم ، فرجعوا شاهرين سلاحهم صفاً واحداً ورشقوا عقاب بسهامهم فقتلوا جواده ، فخر على الأرض ، ثم نزلوا عليه وقتلوه ، وأستمروا يطاردون أخاه حجاب فظفروا به وقتلوه ، حصل هذا وفرسان (ولد سليمان) لا يعلمون عما حصل على زعمائهم عقاب وحجاب ، وكانوا منشغلين عند السبعين الذين أسروهم ، وبقوا يتقاسمون غنيمتهم ، وما علموا أنهم خسروا بذلك عقاب الخيل وأخاه حجاب ، وبهذا أنهدم عز الشيخ سعدون ، وتداعت أركان مجده ، بفقدان أعز أبنائه .
أما قبائل شمر فقد شفوا غليلهم بمقتل عقاب وحجاب ، وطاب نومهم ، وأخذ شعراؤهم يفخرون ويدبجون الشعر ، أسجل هنا ثلاث قصائد من شعرهم ، منها قصيدتان لمبيريك التبيناوي ، وواحده لأبن طوعان ، وهما من شعراء شمر البارزين : وهذه أحدى قصائد مبيريك التبيناوي:



أن كان ( هيفا ) تزعج العام الأصوات = ( نوت ) يروع اليوم جضة قطينه
عقاب رمنه يوم الأفراس عجلات = وكلن حثات البراثن وتينه
فوات قبل مدورين الجمالات = يا ليت عقال الملا حاضرينه
وحجاب ياما قال بالبيت : قم هات =عزي لكم يا لابةٍ فاقدينه
من زوبعٍ والا السناعيس الافات = فوات ماعود على مرتجينه
خلوه زينين ( المياحه )و(الأرات) = وينام سعدون على سهر عينه
هاذي سلومٍ بيننا يالقرابات = ياحلو ردات الجزا قبل حينه


وهذه قصيدة التبيناتوي الثانية :



ياعقاب عقبان المنيصب لون لك = واستلحقن ياعقاب راسك معه راس
لا تحسب أن الخيل قافٍ عطن لك = أرقابهن عوجٍ لكم عقب مرواس
أحذر من اللي بالقدح غذين لك = شهب النواصي فوقهن كل مدباس
هايس على صم الرمك عابيٍ لك = عيال زوبع مروية كل عباس
بغربي زبار أوريك يوم أوجهن لك = راحت تدهدا جثتك ما بها راس


وهذه قصيدة الشاعر رشيد بن طوعان :



حرٍ شهر بس الزماميل والخيل = يدور صيداته بغراة الأجناب
باول شبابه عذب الكنس الحيل = وخبط بيمناه البحر عقب ماشاب
راح النذير وصبح النزل بالليل = وتكافحت فزعاتهم قبل الأداب
وتوافقوا بالعرق حد الغراميل = متكاظمين مثل أبازيد وذياب
وغشا زبار أوريك مثل الهماليل = ونشبت رماح القوم باقطي الأصحاب
وترايعوا للهرش ربع مشاكيل = حماية التالين والخيل هراب
عيال الشيوخ معربين الأخاويل = ردوا على ربعٍ تدانوا بالأنساب
وان كان (نوت) تزعج الصوت بالحيل = لعيون (هيفا) نردع الشيخ بحجاب
أربع ليالٍ مالقته المراسيل = عليت وجه كوح العصر بتراب
حريمنا لجن بزين الهلاهيل = متحرياتٍ شلعة الحر لعقاب
وحريمهم تصرخ صريخ المحاحيل = جاهن عليمٍ مع هل الخيل ماطاب
ياضبيب لو ذبحت كل الزماميل = ذبحة دخيل البيت ماترفع الباب
دنياك هاذي يالعواجي غرابيل = من شق جيب الناس شقوا له أجياب


لقد أشار شعراء شمر الى (هيفا) والى (نوت) : أما هيفا فهي والدة هذلول الشويهري ، وأما نوت فهي زوجة عقاب العواجي ، أشار شاعر شمر الى ضبيب وذبحته (للزماميل) فضبيب المذكور هو أبن عم لعقاب العواجي ، ويقال أنه هو الذي تجرأ وقتل السبعين شخص الذين أسروهم من جماعة هايس القعيط .
وعندما رجع فرسان (ولد سليمان) مع أبلهم بالليل أخذ سعدون العواجي يقابل كل كوكبة من الخيل يسأل عن عقاب وحجاب ، فيقولون له عهدنا بعقاب والخيل هاربة عنه وهو يطاردها ، وبقي سعدون على هذا الحال يسأل عن أبنيه ، وعندما قرب الصباح وعقاب وأخوه لم يرجعا ، كان سعدون ساهراً طوال ليله يخامر نفسه ، فقال هذه القصيدة :




البارحه نومي بروس الصعانين = طوال ليلي ماتهنيت بمراح
كبد نعالجها بعوج الغلاوين = وروابعٍ ماتودع القلب ينساح
بلاي والله يا ملا خابرٍ شين = تظهر علينا مرمساتٍ الى راح
اللي يكف الخيل كف البعارين = ويرخص بروحه يوم يغلون الأرواح
خيالنا يوم أكتراب الميازين = ويرعى بظله بالخطر كل مصلاح
حالوا عليه اللي على الموت جسرين = لا وابعيني ما يجاجون ذباح


وبعد أن تأخر رجوع عقاب وحجاب ، رجع فرسان (ولد سليمان) يبحثون عن زعيميهما فوجدوهما قتيلين عند ( زبار أوريك ) فدفنوهما على قمة كثيب من الرمل سمي ( بأبرق الشيوخ) ولا زال بهذا الأسم حتى الأن .
ورجعوا حزانى فقتل (ضبيب) الأسرى بثأر عقاب وحجاب ، وهذا لم يكن مستحسناً بعادات القبائل في الجزيرة العربية ، وقد أشير عن مقتل السبعين شخص بالقصائد سالفة الذكر .
أما الشيخ سعدون فقد كبر مصابه بعد مقتل أبنيه ، الذين أشادا مجده ، وسجلا له مفاخر لازالت باقية لعائلة العواجية ، وملكا قبيلتهم دياراً لازالوا عائشين بها ، وقد قال الشيخ سعدون أشعاراً كثيرة بأبنيه ، وهاتان قصيدتان منها أولها :



ياونةٍ ونيتها تسع ونات = مع تسع مع تسعين مع عشر الوفي
مع كثرهن باقصى الحشى مستكنات = عداد خلق الله كثير الوصوفي
ونة طريح طاح والخيل عجلات = كسره حدا الساقين غادٍ سعوفي
على سيوفٍ بالملاقى مهمات = سيفين أغلى ما غدا من سيوفي
وعلى محوص بالموارد قويات = أسقى بهن لو القبايل صفوفي
أحشم بحشمتهن ولو هن بعيدات = وانام لو أن الضواري تحوفي
خليتني ياعقاب ما به مراوات = عيالك صغارٍ والدهر به جنوفي
من عفبكم ما نبكي الحي لو مات = ولاني على الدنيا كثير الحسوفي
وياطول ماجريت بالصدر ونات = على فراق معطرين السيوفي
وياعقاب عقبك شفت بالوقت ميلات = واوجست انا من ضيم بقعا حفوفي
مرحوم يانطاح وجه المغيرات = ان جن كراديس السبايا صفوفي
مرحوم يامشبع سباعٍ مجيعات = وعز الله أنه عقبكم زاد خوفي
الخيل تدري بك نهار المثارات =ياللي على كل الملا فيك نوفي
والخيل تقفي من فعولك معيفات = تاطا شخانيب الرضم ماتشوفي


لاشك أن الشيخ سعدون فقد ساعدين من سواعده ، بنيا له أرفع قمة من المجد بفيافي نجد بين قبائلها ، وقد أشتهر أبناه عقاب وحجاب بين القبائل ، وكانا محل أعجابهم بالجزيرة ، ويضرب بهما المثل حتى الأن ، فان الناس اذا أعجبوا بشخص أو بعدد من الأشخاص يقولون كأن فلاناً عواجي أو كأن هؤلاء من العواجيه ، نسبة الى عقاب وحجاب ، ولا زال هذا المثل سارياً في نجد الى الأن .
ولابد للقارئ أن يلاحظ أن الشيخ سعدون أشار الى أبنيه وقال سيفين أغلى ماغدا من سيوفي ، فهو يرى أنهما سيفان من أعز مايملك ، ثم قال أنه يطمئن وينام لو أن الوحوش الكاسرة تحوم من حوله ، فهو مطمئن بأن أبنيه هما درعه الامين وأنه مكرم ومعزز بحمايتهما .
وهذه القصيدة الثانية :



يا علي وين اللي رعينا بهم هيت = حال اللحد من دونهم والظلامي
البارحة يا شمعة الربع ونيت = ونة صويبٍ ومكسره بالعظامي
أوما الشجر وأنا بعد مثله أوميت = أوماي صقار لطيره وحامي
طيرٍ لياجا الصيد يشبع هل البيت = جته هبوبٍ مع جرادٍ تهامي
عز الله أني تو يا علي ذليت = تبينت وانا على الناس كامي
وعز الله أني مع شفا البير هفييت = هفة قفيٍ من عجوز المقامي
واليوم من باقي حياتي تبريت = عقب الشيوخ معدلين الجهامي
ويا علي عفت الحي من كثر ماريت = وجريت للونات والقلب دامي
وعذبت قلبي في كثير التناهيت = والعين عيت من بلاها تنامي
راح العقاب الصيرمي شايع الصيت = يا علي من عقبه تراعد عظامي


وهذه القصيدة شكي بها الى صديق له يسمى علياً ، يسأل عليه ويقول أين الذين كنا نرتع بهم بالفيافي ، الآن أصبحوا من أصحاب اللحود ، وأصبحت الظلمة تحول بينه وبينهما ، أنه يسهر الليالي ، ويئن مثل كسير العظام ، أنه يرتجف ويومئ كما تومئ الشجرة ، أنه الآن يحس بالخيفه ، ويذل من كل شي ، وقد ظهر ذلك للناس ، ولم يستطع أن يخفي خوفه لقد أخذ يتبرأ من حياته بعد أبنائه ، أنه أباح بما يخفيه ، بعدما تزلزلت الجبال التي كان يلتجئ في حماها ، أنه بعد أن فقد عقاباً بدأت ترتعد عظامه ، وفرائصه ، أنه فقد بطلين لا يمكن أن يقاضي بهما .

عساف دخنان
04/01/08, (05:10 PM)
( بسم الله الرحمن الرحيم )


لم يبق لسعدون بعدهما من يعتقد فيه خيراً ، الا حفيديه الصغيرين أبني عقاب وحجاب الحبيبين لقد أخذ يربيهما ، ويعلمهما فنون القتال ، آملا أن يأخذا ثأر أبويهما ، من هايس القعيط .
وعندما كملت رجولتهما طلب أن يقول كل واحد منهما قصيدة ، يبين فيها أنه سيأخذ ثأر والده ، وعمه ، واذا أجاد أحدهما القول فسوف يعطيه المهره بنت فرس عقاب المسماه ( فلحا ) وهذه آصل فرس عند قبائل ( ولد سليمان ) فقال أبن حجاب قصيدة لم تعجب جده ، ثم قال أبن عقاب قصيدة أعجب بها وهذه هي القصيدة :




ياليت من هو جذ فلحا ثنية = والا رباع مسودسه بالمسامير
أبي الى ما قيل زيعت رعية = وتوايقن مع الحني الغنادير
أنطح عليها سربةٍ زوبعية = يجهر لميع سيوفها والمشاهير
متقلدٍ سيفٍ سواة الحنية = أدور أبويه عند روس الخواوير
ان كان ما لينت بالحبل لية = ماني عشير اللي نهوده مزامير
لابد من يوم يزفل كمية = وكل يحسب مربحه والمخاسير
ثارٍ لبوي عقاب فرضٍ عليه = عليه وصاني زبون المقاصير
سعدون جدي هو خلف والديه = شيخ الجهامه والسلف والمظاهير
دينٍ علي هايس زبون الونيه = يجيبه المعبود والي المقادير
أن ما نطحت الخيل عيبٍ عليه = أن وردوهن مثل أثامي الخنازير
عيبٍ علي العزوة الوايلية = وأحرم من الفنجال وسط الدواوير



وعندما سمع شاعر شمر بقصيدة ولد عقاب أجابه بهذه الابيات :




وش عاد لو جذيت فلحا ثنية = شمر يجونك فوق قبٍ عياطير
أبوك ضرب بحربةٍ شوشلية = كزه حبيبي كزة الدلو بالبير
صابه غلامٍ ما يعرف اللوية = ما صدها يوم السبايا مناحير
له عادةٍ بالفعل في كل هية = عشى ثنادي أبوك عوج المناقير
وعيال زوبع ملحقين الردية = اللي تهزع بالحروب الطوابير

عساف دخنان
04/01/08, (05:11 PM)
لقد فاز بالجائزة أبن عقاب فأعطاه جده الجواد بنت ( فلحا ) وأخذ سعدون ينظر الى أبن عقاب بأعجاب ، ويداعبه الأمل أنه سيشفي غليله ، ويأخذ الثأر من الشيخ هايس القعيط .

ومن الفرص الغريبة التي قدر فيها لأبن عقاب أن يأخذ بثأر أبيه وعمه ويقضي على هايس القعيط ، أنه حصل بين غنيم ( الربضا ) بن بكر شيخ السويلمات من العمارات ، وبين هايس القعيط تصادم في وديان عنزة ، وطال الحرب بينهما ، وأرسل غنيم بن بكر الربضا لقبائل عنزة يطلب منهم النجدة والعون ، وكذلك هايس القعيط أرسل لقبائل شمر يستنجدهم ، فأخذت الأمدادات من كل القبيلتين تترى على موقع المعركة ، وقد سنحت الفرصة لسعدون العواجي ، فعندما علم بذلك ، أمر حفيدة وأمله الوحيد أبن عقاب بالشخوص فوراً الى المكان الذي تدور فيه رحى الحرب بين غنيم وبين هايس .. وأوصاه بأن لا ينسى ثأره من قاتل أبيه وعمه .
لقد سارع أبن عقاب الى أمنيته التي كان يترقبها ، فأشترك بخوض المعركة ، وكل ما يهمه هو أن يرى غريمه وقاتل أبيه وعمه ، وبعد أن رآه بأم عينه ، وتأكد من شخصيته ، وليست بخافية ، لأن شخصية هايس القعيط معروفة ، مقداماً جريئاً لا يرهب الموت ، ودائماً هو في مقدمة الفرسان ، رغم تقدمه بالسن ، وعندما هجم هايس على فرسان عنزة ، يتقدم فرسان شمر ،
أنقض عليه أبن عقاب مثل النمر الكاسر ، وأغمد ذبابة سيفه بخاصرته ، وأنتحى به عن مكان المعركة ، الى أن أبتعد عن الفرسان ، ثم أمسك رقبته وترجل به على الأرض ، وألتفت اليه هايس القعيط ، فقال له أبن عقاب : هل تعرفني ؟ فقال : أنت أبن عقاب العواجي ، ولا شك أنك تشبهه ، ولكن لم أقتله أنا ، فالذي قتله غيري ، فقال له أبن عقاب : أنا لا أسألك عن ذلك ، ولكنني أسألك بالله أن تبلغ سلامي والدي اذا وصلته في الدار الآخرة ، وتخبره بأنني أخذت بثأره ، وتشرح له كل ما رأيته بعينك ، ثم علا رأسه بالسيف ، وفصله عن جثته ، وبعد ذلك طارت البشائر الي الشيخ سعدون العواجي ، بأن حفيده قد قتل هايس القعيط ، وقد أجتمع رجال الحي يهنئونه ، وقد عقر الأبل ، وعمل الأعياد عند قبائل (ولد سليمان ) وكان يوماً مشهوراً عندهم ، وأخذن النساء يزغردن ، بعد أن لبسن زيناتهن ، وطاب نوم الشيخ سعدون ، وبات قرير العين وأخذ ينشد :




يا سابقي رد البرا مات راعيه = الجيش حزب والرمك موفلاتي
يا ناس زول عقاب ماني بناسيه = عقبه فلا تسوى ريال حياتي
لو من إذا جروٍ لقا ما هقا فيه = كان العرب كله تسوي سواتي
الورع ورع عقاب لا خاب راجيه = حول بهايس ما تناسى وصاتي
كزه لبوه ويذكر أني موصيه = بعد ما شافت عيونه ثباتي
الخيل تثقل لين تسمع عزاويه =ومن يوم سمعنه وهن مقفياتي
لعل ورعٍ ما مشى درب أهاليه = تشلق عليه جيوبها المحصناتي



وبهذه الفتره عين الأمير عبدالله بن علي بن رشيد أميراً لحائل من قبل الأمام فيصل بن سعود ، بعد أن عزل أميرها الأول أبن علي ، وظل عبدالله أبن علي بن رشيد أميراً على حائل ، والمناطق الشماليه من المملكة ، وعندما علم بذلك مشائخ قبائل الشمال توافدوا اليه ، وكل منهم يقدم الهدابا للأمير الجديد ، ومن بين الذين قدموا اليه غنيم بن بكر الربضا ، وكان مهدياً الى أبن رشيد ثلاثاً من الخيل ، وقد قبلها ابن رشيد ، وعندما كان غنبم الربضا جالساً عند أمير حائل، وكان مع الجالسين شاعر شمر بن طوعان ، وكان مكفوف البصر ، وطاعن بالسن فقال له الأمير عبدالله بن رشيد : هذا غنيم الربضا يابن طوعان قم وسلم عليه ، وعلى الفور أجابه بن طوعان بهذين البيتين من الشعر ، موجهها لغنيم الربضا يحرض فيها عبدالله بن رشيد عليه :



يا غنيم عندك هايس نطلبك دين = خيال تالي شمر بالسنودي
ان كان ما جازاك عنها صباحين = ما هو ولد علي عريب الجدودي



وبعد ان سمع أمير حائل هذين البيتين من أبن طوعان ، ألتفت الى غنيم الربضا ، وأمره أن يرجع الى أهله ، وقال له : أننا أمرنا بأرجاع خيلك التي أهديتها لنا اليك ، وأنت في أمان الى أن تصل
أهلك ، وبعد ذلك أعتبر نفسك من من الأعداء ،ولا بد لنا أن نأخذ ثأر هايس القعيط منك لأنك أنت
زعيم المعركة ، التي قتل فيها هايس القعيط ، ولذلك فأنت المطلوب بدمه ، وقيل أن أبن رشيد غزاه بعد ذلك ، وأنه قتله في وديان عنزة .
وأسجل هنا نبذة للتاريخ عن قبيلة آل بريك ، التي يرأسها هايس القعيط ، ولم يزل أحفاده رؤساء لهذه القبيلة ، ولا زالت هذه القبيلة مع شمر ، والواقع أن هذه القبيلة هي قسم من قبيلة آل بريك التي هي من قبيلة الدواسر ، ولكن حصل بينهم حادثة أدت الى قتال ودماء ، وعلى أثر ذلك رحل جماعة هايس القعيط عن ابناء عمهم ، والتجأوا عند الجربان شيوخ قبيلة شمر ، عندما كانوا يقطنون شمالي المملكة ، وقد أعزهم الجربان ، وأكرموهم وبقوا طويلاً معهم ، وأخيراً حالفوا الجربان ، وقد قربوهم دون سواهم ، ولم يزالوا ساعد الجربان الأيمن بالملمات ، وحتى الأن وهم عند الجربان من المقربين ، بل ويعتزون بوجودهم عندهم ، وكانوا مشهورين بالأقدام ، ولهم شهرة عظيمة ، ومعروف عند أهل نجد الأن أنهم فخذ من فخوذ قبيلة الدواسر ، ولم ينزحوا الا بأسباب الدم الذي حصل بينهم وبين أخوانهم آل بريك ، وكان لجوؤهم الى شمر قبل ثلاثمئة سنه تقريباً.

عساف دخنان
18/01/08, (07:18 PM)
بسم الله الرحمن الرحيم



ثانياً :



ساجر الرفدي



ساجر الرفدي ـ نسبه ـ خمول أسرته ـ أخوه عسكر يشد من عضده ـفرسيتهما ـ النزاع بينهما وبين أخوالهما وقتل عسكر ـ حرب ساجر مع أخواله البجايده ـ بروز ساجر ـ شعره ـ الأمير عبدالله الرشيد لا يطمئن الى ساجر ويستعدي عليه الأمام عبدالله الفيصل بن سعود ـ عبدالله الفيصل يهاجم ساجر وبرجس بن مجلاد ـ نزوح ساجر بعدها مع قبيلة العمارات الى وديان عنزة ـ غاراته على نجد ـفروسيته جعلت منه زعيماً متبوعاً ـ شاعره سليمان اليمني ـ الخلاف بين آل شعلان وبروز شخصية ساجر فيه ـ غارته على أبل أبن رشيد وقتله لأبن زويمل وأخذ الأبل ـ الخلاف بين ساجر والسمن وبن قعيشيش وبن غبين من مشايخ عنزة ـ ساجر وقصة الشويهات ـ الخ........

ساجر من قبيلة ( السلقا ) بطن من قبيلة العمارات من عنزة ، وكان والده من بين أفراد هذه القبيلة خامل الذكر ، الا أنه تزوج فتاة من أسرة عريقه ، هي بنت أبي الخساير ، من قبيلة البجايده من السلقا ، وقد رزق منها بولدين ، أحدهما ساجر والأخر عسكر ، وعندما أكتملت رجولتهما برزا بين قبيلة السلقا ، واخذت الأنظار تتجه نحوهما ، على عكس ماكان عليه والدهما من الخمول ، وقد اشتهرا وهما في مقتبل العمر ، لم يتجاوز عمرهما العشرين سنة ، وقد أثبتا وجودهما بين قبيلتهما ، وكانا مضرب الأمثال بين القبائل ، وقد أشادا بيتاً كبيراً لأنفسهما ، وأصبح كل واحد منهما فارساً مغواراً ، وكانت نشأتهما في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريباً ، وقد حصل بينهما وبين أخوالهما البجايده ، عقد أجتماع في بيتهما ، فدارت مناقشه بينهما وبين أخوالهما أدت الى نزاع مسلح ، قتل فيه عسكر شقيق ساجر ، فانصرف البجايدة الى مواقعهم ، أما ساجر فقد دفن أخاه ، ورحل عن مواطنهم ، الى أراضي القصيم ، أما البجايده فبقوا في أرضهم التي هي قريبة من ( الشملي ) في أعالي بلاد طي ، وكان القصد من رحيله هو أن ينتحي عنهم ، ثم يكر عليهم ، ليأخذ بثأر أخيه ، وبعد مدة أغار على أخواله البجايدة ، وهاجمهم ليلاً ، ولكنه لم يقتل الا عبدا لشخص يسمى سودان ، من رؤساء البجايدة ( وسودان المذكور هو المتهم بقتل أخيه عسكر ) ، ثم أغار عليهم مرة ثانية ، وقتل سودان نفسه قاتل أخيه ، وبعد هذه الجرأة برز ساجر ساجر الرفدي ، والتفت حوله جماعة من أقاربه الشملان ، وأخذ يغزو بهم القبائل المعادية ، وبدأ سعده يطلع ، وأتجهت اليه الأنظار أكثر ، وأخذوا ينظرون اليه كقائد موفق ، وأخذت سمعته تزداد بين القبائل باواسط نجد ، وأنتشر صيته ، الى أن أشتهر ، وعرف بالقائد ساجر الرفدي ، وتزعم قبيلة الشملان ، وكان محبوباً عند كل من عرفه ، وبدأ يقول الشعر ، وينظمه بقومه ، ويحرضهم ، ويشحذ من هممهم حتى أصبح شاعراً مجيداً ، وله أشعار كثيره لم أستطع جمعها ، ولكنني سأورد ماظفرت به من شعره ، الذي يحكي واقع حياته ، ويبين الحوادث التي حصلت له في سيرته ، وكان من المعاصرين لساجر الرفدي الشيخ برجس بن مجلاد شيخ الدهامشه من عنزة ، وكان الأثنان يشكلان خطراً على أمير حائل عبد الله بن رشيد ، ولم يكن أبن رشيد مرتاحاً لموقف الأثنين ، ولذلك بعث أخاه عبيد الى الأمام عبدالله الفيصل بالرياض ، فسأله الأمام عن ما وراءه من أخبار البلاد الشمالية من نجد ، فانتهز أبن رشيد الفرصة ليشي بساجر الرفدي ، وبرجس بن مجلاد ، وقال الأبيات التالية :
:



يا شيخ أنا جيتك مسير وبلاس = وباغ أشوفك يا مضنة فوادي
وأخبرك بأحوال ناس من الناس = ناسٍ على حكمك تدور الفسادي
يا شيخنا ما حركوا طبلة الراس = وعندك خبر يقزا البعير القرادي
أنا وربعي بين الأثنا والأخماس = ألفين من غبر الفلا والعيادي





هذا ما ظفرت به من هذه القصيدة الطويلة . فسأله الأمام عبدالله عمن يعني بهذه الأبيات ، فقال له هما ساجر الرفدي وبرجس بن مجلاد اللذان يقومان بغزوات متتالية بنجد ، ويفسدان القبائل ويخلان بالأمن ، وأخذ يحرض الأمام عليهما وفعلاً تأثر الأمام عبدالله بكلام أبن رشيد ، فأمر بتجريد حملة لتأديبهما ، فداهمهم وهما بأراضي القصيم ، وبعدها نزحت قبيلة العمارات مضطرة الى وديان عنزة المعروفة في شمال المملكة ، وهناك أستقروا وأخذ ساجر يشن غاراته على أواسط نجد ، وألتفت القبائل من حوله .
وقد قال هذه القصيدة بمناسبة ما حصل عليه من الأمام عبدالله :
:



الله من عينٍ تزايد حزنها = والقلب م ضكات الأيام مسمور
من شوفتي دارٍ تغير وطنها = من عقب ماني داله القلب مسرور
دنولي الحمرا ومدوا رسنها = وهاتوا ذلولي وانسفوا فوقها الكور
ياما حلا المسلاف باول ظعنها = مستجنبين الخيل يبرا لهن خور
يوم أنها نجدٍ وانا من سكنها = واليوم مايسكن بها كل ممرور
شامت لعبدالله وانا شمت عنها = اللي يصبح به على شقة النور
وانا أحمد الله سالمٍ من شطنها = ومكيفٍ ما بين عرعر وأبا القور



وبعد هذا أخذ يضاعف غاراته على نجد ، وعرف بالشيخ ساجر ، ولم يبق رئيساً لقبيلة الشملان فقط ، بل ترأس عموم قبيلة السلقا ، التي يعتبر الشملان بطناً من بطونها ، وأصبح يشكل خطراً على جميع القبائل المعادية ، وكان في غزواته يتبعه أعداد هائلة من الخيل والهجن ، وكان ميمون النقية ، ومعروفاً بغزواته شجاعاً لا يهاب الموت ، ومع هذا كريم الى أبعد الحدود ، ودمث الأخلاق ومتسامح عن خطايا من حوله من رفاقه ، وكان يفضل قومه على نفسه ، وينصفهم بحقوقهم ويعف عندما يغنم ، وليس للجشع في نفسه مدخل ، وهذه السجايا هي من مقومات زعامته ، الأمر الذي حدا بأكثر قبائل عنزة وبعض قبائل شمر الى الأنضمام اليه في غزواته ، وكان قد أعد صانعاً يسمى خليفاً ، وأسكنه في راس هضبة تسمى ( اللبيد ) وليس لهذا الصانع مهمة سوى صنع حذاء الخيل وتركيبها عندما يغزو ساجر ، ويرجع اليه ، وبهذه المناسبة قال قصيدته المشهورة وهي كما يلي : :



يا خليف قطع للسبايا مسامير = عن الحفا يا شوق موضي جبينه
ياما حلا يا خليف تشييدة الكير = براس اللبيد بين خضرا ولينه
وياما حلا يا خليف خز المعاشير = خلجٍ توال الليل تسمع حنيه
كم عزبةٍ زحناه مع نوضة الكير = وكم شيخ قومٍ عندهن جادعينه
من حد حايل لين سنجار والدير = كم خيرٍ بارماحنا عاثرينه
ومن نجد جبنا الصفر هي والمغاتير = والذيب من عدواننا مشبعينه
وحنا على شهب النواصي مناحير = ان طار عن جرد السبايا يقينه
مرٍ مسانيد ومرٍ محادير = وكم جو قومٍ ناثرينٍ قطينه
وكم عايل جنه سواة الشنانير = واصبح فقير خاليات يدينه
من فوقهن فعالة الشر والخير = أهل العلوم البينة والسمينه





وبهذه القصيدة لمح عن الأراضي التي يغزوها ويصل اليها ، وقال أنه وجماعته يذهبون على الهجن الى أعالي نجد ، ثم ينحدرون ويصلون الى سنجار والى الدير بسورية ، وقال أنه وجماعته يفعلون الشر والخير ، أي أنهم حرب على أعداهم ، وسلم لمن صادقهم . لاشك أن ساجر الرفدي قوي العزيمة ، شديد الشكيمة ، طموح الى أبعد حد ، وقد أوجد نفسه من لاشئ ، وفي بعض غزواته قيلت هذه القصيدة ويقال أنها للشاعر اليمني شاعر ساجر الرفدي :



غنام هام ويم طلعه جذبنا = طير الحباري لا برق الريش عفار
وشفنا واغرنا فوقهن وانتدبنا = وشالن ابن لامي على الوجه حدار
وهمنا الدويش بديرته وانقلبنا = جيانهم ما تروي الخيل واعسار
صبح أربعٍ من جو خضرا شربنا = وتشاوروا للراي صليبين الاشوار
والصبح من فوق الركايب ركبنا = ومرن رجم للهيازع وسنار
وابن علي قلط لنا البيت يبنا = وجينا كشافٍ عقب الأضحى والأفكار
ومن فوق زينات السبايا هذبنا = بيومٍ عبوسٍ فيه عج الدخن ثار
ولبن علي وابن طوالة ضربنا = واقفن برياد العشاشيق عبار
حنا ليا منا عدينا غلبنا = وعدونا نسقيه كاسات الامرار
أقفن سلايل خيلهم من غضبنا = غلبا مدلهة العشاير بالأقفار
وحنا ليا منا زعلنا حربنا = ونذر الدخيل ونكرم الضيف والجار
وياما غضبناهم ولحدٍ غضبنا = وهذي عوايدنا على الهجن وامعار
وعدواننا تشكي فعايل سربنا = نوبٍ مسانيدٍ ونوبات حدار






ويقصد الشاعر اليمني بكلمة غنام هو ساجر الرفدي قائدهم مشبهاً اياه بالصقر ، لأن غنام من أسماء أسماء الصقور ، وقال أنهم أبصروا عربان أبن لامي ، فأغاروا عليهم ، وأخذوهم ، ثم صمموا على مهاجمة الدويش ، وأخيراً تراجعوا لأن مناهلهم قليلة الماء ، لا تروي الخيل ، وعسار ، أي عميقة . وفي صبيحة اليوم الرابع وصلوا منهل ( خضرا ) المعروف وشربوا منه ، وهناك تبادلوا الراي ، ثم مشوا باليوم الخامس ومروا برجم ( الهيازع ) و ( سنار ) وهناك وجدوا ان أبن علي زعيم قبيلة عبده من شمر قد علم بهم ، وقطع عليهم الطريق ، متصدياً لهم ، وقد أنظم الى ابن علي ابن طواله زعيم قبيلة الأسلم من شمر ، وذكر الشاعر أنهم هاجموهم وهزموهم هم ومن معهم ، وان خيلهم هاربة ومن فوقها الشبان الذين يعشقون البنات ، وقال أنهم ( يقصد جماعة ساجر ) يغلبون كل من يحاربهم ، ولا يغلبون ،
وكأنه معني ببيت عمرو بن كلثوم حيث قال :
:



فان نغلب فغلابون قدما = وان نغلب فغير مغلبينا




ثم قال في آخر قصيدته : وهو ولا شك يتكلم بلسان ساجر : أنه اذا تحداه أحد حاربه ، وانه يجير من أستجار به ، ويكرم ضيفه وجاره ، ثم قال أنه يغتصب الناس ، ولا يستطيعون أغتصابه وهذه هي عادته على صهوات الجياد ، وأكوار الأبل ، وقال ان اعداءنا يشكون الضيم من كراديس خيلنا ، واننا نسير بنجد جيئه وذهاباً لا نخشى من أعترض طريقنا . :

عساف دخنان
28/01/08, (11:53 PM)
بسم الله الرحمن الرحيم


وفي سنة من السنين ، وفي عنفوان زعامة ساجر الرفدي ، وبروز شخصيته بين زعماء قبائل نجد ، حصل بين آل شعلان خلاف على الزعامة وهم عائلة آل نايف وعائلة آل مشهور ، وكان شيخ آل شعلان وقبائل الرولة آنذاك هو فيصل بن نايف الشعلان ، ويسانده أخوه هزاع بن نايف ، وأبنا أخيه وهما فواز وسطام أبناء حمد النايف ، وقد حصلت بين العائلتين معركة ، تغلب فيها آل مشهور على آل نايف ، وقتلوا فيصل بن نايف شيخ القبيلة ، وأبن أخيه فواز ، وجرح هزاع جرحاً بليغاً .. على أثر ذلك عابت رجله ، أما سطام بن حمد فكان صبياً صغيراً ، لم يبلغ سن الرشد ، وكان عمره يقارب ثلاث عشر سنة ، ففر به عبيد آل نايف ، والتجأوا به الى الشيخ ساجر الرفدي ، أما آل مشهور فقد أخذوا راية الشعلان المشهورة وهي عبارة عن هودج مجلل بريش النعام ، ومن أخذ هذه الراية من عائلة الشعلان يصبح هو رئيس القبيلة ، وكانوا يحملونها في ساعات الحروب ، يتكاتفون من حولها ، وفعلاً ترأس آل مشهور بقبائل الرولة . أما سطام بن شعلان فعندما التجأ الى ساجر الرفدي هو وعبيده ، سألهم ساجر عن القصد من لجوئهم ، فأخبروه بما وقع بينهم وبين أبناء عمهم ابناء مشهور ، وأن شيخ الرولة فيصلا قد قتل ، وكذلك ابن أخيه فواز ، وان أبن مشهور غدر بهم ، وطلبوا من ساجر أن يعينهم بنفسه وبقومه ، لأخذ الثأر من آل مشهور ، وأستعادة الراية ، وقد لبى طلبهم ، وقال : اطمئنوا فأنا معكم ، وأعطيكم عهد الله على ذلك ، ولكن لابد من أن اتوجه أنا وياكم للشيخ أبن هذال ، شيخ العمارات ، لنعرض عليه الأمر ، ونخبره بكل ماحصل ، ونطلب منه ان يكون بجانبنا لتنفيذ ما طلبتموه ، وانا اؤكد لكم انني سأكون معكم حتى ولو أعتذر ابن هذال ، ثم توجه ساجر ومعه الصبي الصغير الى أبن هذال وأخبروه بالأمر، وطلب منه ساجر أن يقود قبائل العمارات ، لأخذ ثأر آل نايف من آل مشهور ، وارجاع رايتهم اليهم ، وقد أستعد أبن هذال لذلك ، وطمأن الشيخ الصغير سطام بن شعلان ،بأنه سيسير معهم ، وعمم الأمر على جميع قبائل العمارات ، ثم ألتفوا من حوله ، ومعه ساجر الرفدي وقبائله ، وسطام معهم ، ومن معه من العبيد ، وقيل أن معهم قسماً من قبائل الرولة ، وزحفوا على آل مشهور ، وقبائل الرولة ، وكان آل مشهور ومن معهم نازلين في وادي
( أبا القور) المعروف ، وقد أرسل أبن هذال جواسيس ليسبروا قوة الرولة ، وبعد أن عاد اليه الجواسيس وأخبروه أن الرولة مجتمعون عن بكرة أبيهم مع آل مشهور ، وبعد أن تأكد أبن هذال من ذلك أستصعب الأمر ، والتفت الى ساجر الرفدي وسطام بن شعلان وقال لهما : لابد من الرجوع والتأني ، الى أن يتفرق عربان الرولة عن آل مشهور ، ثم نغزوهم مرة ثانية ، وهم وحدهم ، وننفذ ما طلبه سطام بن شعلان ، وعندما لاحظ عبيد سطام تردد ابن هذال ، وجهوا سطاماً بأن يستثير ساجر الرفدي بالنخوة العربية ، ولما فعل سطام قام ساجر الرفدي غاضباَ ، وركب قلوصه ، وصاح بفرسان قبائل العمارات ، وقال من يريد أن يتبعني فأنا ذاهب لمهاجمة آل مشهور ومن معهم ، لأخذ ثأر من أستجار بي ، ومن يرد منكم أن يرجع فهو حر ، ثم دفع مطيته مسرعاَ ، ومستجنباَ جواده ،وذهبت فرسان العمارات خلفه ، ولم يتأخر أحد عنه ، وعندما لاحظ الشيخ ابن هذال ذلك صمم على الأستمرار معهم ، لتنفيذ الخطه ، فهاجموا آل مشهور ومن معهم من الرولة ، الا أنهم لم يظفروا بعائلة آل مشهور ، لأنهم دافعوا عن ظعينتهم الخاصة ، وعن راية الزعامة ، وحموها من القوم المغيرين ، وتوجهوا الى أراضي دومة الجندل ، وبعد ذلك قرر ابن هذال الأكتفاء بهذه المعركة ، وأمر القوم بالرجوع ،ولكن ساجر لم يكتف بذلك بل أصر على مناصرة سطام بن شعلان ، وعارض ابن هذال بالراي ، واستمر بمطاردة آل مشهور، وتبعه العمارات ، ولم يتأخر منهم أحد ، ثم كر على آل مشهور مرة ثانية ، وهم في دومة الجندل ، وقتل من فرسانهم عدداَ كبيراَ وأسر الكثير ،واسترجع الراية ، وسلمها لسطام بن حمد الشعلان، وعادوا الى منصبهم الذي سلب منهم . أما ساجر فهو لم يكتف بهذا النصر ، بل كان حافزاَ له على مواصلة غاراته على جهات اخرى ، فأغار على الشيخ ابن زويمل أحد مشايخ شمر وهو المسئوول عن أبل طلال ابن رشيد حاكم حائل ، وكان في الدهناء وقد قتل ابن زويمل ، واخذ كل ماعنده لأبن رشيد من المواشي ، وكذلك أخذ جميع حلال قبيلة بن زويمل ، وبهذه الحادثه أثبت ساجر الرفدي جرأته الفائقه ، حيث تجرأ على مهاجمة المسؤول لحاكم حائل ، متحدياَ بذلك الحاكم نفسه ، وقد رجع بهذه الغنائم العديده الى أهله ،
وقال هذه القصيدة واصفاَ قومه مفاخراَ بهم :
:



مزنٍ تزبر عم عرعر وابا القور = سيله على كل المشاريف ضافي
أول خياله صار فوق أبن مشهور = جاهم على وضح النقا مع كشافي
ياما أقبلن باخوات ربدا تقل سور= وياما أنتحن باخوات ربدا مقافي
كسيرة فيها أحمر الدم منثور = وقفواعليهم لابسين الغدافي
وخيل ضبابه وانتحى السيل بحدور = وبن زويمل شاله السيل طافي
فاجاه من فوق الرمك كل مصطور = خيال ذروه يوم هي بالعوافي
ذروات أخذناهن ويبرى لهن خور = ويفداك مالك ياربيع الضعافي
غرنا على ذروات مع فجة النور = وتخززوهن ناقلين الشلافي
والفاطر اللي عندكم فات له دور = حنت ولا تالي حنينه عوافي
هذي عوايد مدبة كل صابور = قول على فعل وكاد يشافي
وسطام خليناه يركب على الكور = وعقب العنا والكود شاف العوافي
والمركب اللي فوقه الدل منشور = جانا بضرب مصقلات الرهافي





وفد شبه ساجر قومه بالمزن وأن سيله غطى كل كل مرتفع ، وأنه أمطر أول ما أمطر على نزل أبن مشهور ، وأنه أتى اليهم جهاراً ولم يأتهم غدراً ، وقد أثنى على فرسان آل مشهور، حيث قال أن فرسانهم بكرون مرة ويفرون مرة أخرى ، بعد أن يسيل الدم منهم ، وقال أن هذا المزن بعد أن أمطر على آل مشهور أتجه الى أبن زويمل ، المسؤول لأبن رشيد و( ذروات ) أخذناها قسراً ويعني أبل طلال بن رشيد التي يغزو عليها ، وأن من ضمنها خوراً أي أنه أخذ القلائص ومعها أبل غيرها من أبل بن رشيد ، وقال في آخر قصيدته : أن هذه عوائدنا نؤدب الرجال بالرجال ، ولا نقول شيئاً الا ونفعله ، وكل الناس تشهد بفعلنا ، ثم قال : أننا نصرنا الشيخ سطام بعد أن لحقه العناء والكود ، وقال في آخر بيت : أننا أسترجعنا ( المركب ) وهي راية آل نايف بضرب مرهفات السيوف 0 وبهذه المناسبة قال شاعره سليمان اليمني هذه القصيدة :



حر شلع من مرقب مرقبينه = طلعه بعيد وصيدته حص الأوبار
غنام صياد الشواة السمينة = بمصافق الغارات للضد دمار
صك أبن مشهور وفرق ظعينه = وخلى حريمه قاعدات على الدار
ردد ردوده ثم صدر يمينه = وأدلى على نزل الزميلي بالأصحار
ساجر ضربهم ضربة في يمينه = وحلنا على ذروات بالموقف الحار
كون الضياغم من بخت حاضرينه = طرش كثير وباغي الهجن يحتار
ذروات جن أبهن من الوضح عينه = وضح تخافق وسطهن تقل نوار
راعي البويضا خبروا جاهلينه = كم حلةٍ خلي عمدها على الدار
ساجر حلف حلفٍ وتمم لدينه = وخوات بتلا للعدو كسر تغبار
طلال قل للعبد بينك وبينه = وش لون يا من والعمارات عمار
وش لون تقبل لذة النوم عينه = ووراه ربعٍ مايهابون الأخطار
من باب بغداد لباب المدينه = يلقى بني وايل على الكود صبار
من فوق الأنضا ما بغو واصلينه = مستجنبين قرح الخيل وأمهار
كم خفرةٍ تنعى وتبكي جنينه = خلي لسمحان الضواري بالأقفار
وكم خايعٍ وقت الخطر نازلينه = عاداتهم نزل الخطر سر وأجهار
وكم حلةٍ فوق الرمك ساهجينه = باقفار نجد وكل دار لهم دار
وكم عايل بارماحهم جاد عينه = من ضيمهم يشرب قراطيع الأمرار




وفي هذه القصيدة يقول لطلال بن رشيد : أسأل عمك عبيد كيف ينام وقبيلة العمارات على الوجود ، ولازالت قوية ، وأن ساجر معهم ، لايهاب الأخطار ، ثم قال : من مدينة بغداد الى المدينة المنورة وبنو وائل موجودون على خيولهم ، وأنهم يصلون الى أي شئ يريدونه ، وكم أشبعوا الذئاب الجائعة ، من جثث القتلى ، وكم أرض قفرة رتعوا بها ، دون مبالاة بأحد ، وأنهم يتنقلون في كل بلاد نجد ، وينزلون حيث ما أرادوا ، سراً وجهاراً ، وكل عائل مستكبر يؤدبونه ، ثم أشاد بقائدهم ساجر الرفدي ورمز اليه بالصقر ، وأن نظرته بعيدة ، وأنه بالمعارك يدمر الأضداد ، ثم قال أنه فرق شمل آل مشهور وترك نساءهم على الأرض ، وقال أنهم ردوا ماغنموه من آل مشهور من الأبل لأهلهم ،ثم أستمر بغزوته وأغار على أبن زويمل المسؤول لأبن رشيد ، وأنه قتل أبن زويمل وأخذ حلال بن رشيد وأخذوا ذروات ، وهذا هو أسم قلائص ابن رشيد التي يغزو عليها ، وقال أن من بينها أبلا وضح أي بيض الألوان ، وشبهها بالنوار ، يقصد زهر الأقحوان ، وقال أن ساجر أخذهم بيوم حار ، أي بمعركة حامية ، وأنه أعطى قومه الخيار من أبل بن رشيد لأنها كلها من أصائل القلائص ، وقال أن هذه هي أفعال صاحب البويضا ، ويقصد ساجر الرفدي فالذي لا يعرفه يجب أن يعرفه ، وقال أنه أقسم يميناً أن يخلص راية سطام من أبناء عمه آل مشهوروقد أوفى بقسمه ، وبعد ذلك أثنى على أخوات بتلى ، ويقصد مشائخ العمارات آل هذال 0
بعد هذه الوقائع التي فاز بها ساجر زادت شهرته علواً ، وصيته أنتشاراً ، وأخذت تنظر اليه القبائل نظرة أعجاب ، وكان يساعده الحظ في كل غزوة يغزوها ،ولذلك أخذ زعماء القبائل ينظرون اليه نظرة الكراهية ، أصبح مصدر خطر على زعامتهم بين قبائلهم ، خاصة مشائخ
( ضنى بشر ) من عنزه 0
:

عساف دخنان
12/02/08, (02:11 PM)
بسم الله الرحمن الرحيم

وقد نشب الخلاف بين ساجر وشيخ من الخرصة من الفدعان يسمى السمن ، ويقال ان هذا الشيخ قام لدهام بن قعيشيش شيخ قبيلة عموم الخرصة من الفدعان محرضاً اياه على أن يغزو ساجر الرفدي وجماعته السلقا ، لسلب أموالهم وتحويلهم الى فلاليح ، يزرعون بالأرض ، هذه الكلمات أثارت ساجر فشن الحرب على السمن ، وقال هذه القصيدة :




يالسمن ما ربعي لربعك فلاليح = ربعي مقزين العدو بالفعايل
ربعي هل الطولة على الفطر الفيح =مستردفين مبشمات الفتايل
ان درهم الصابور ما من تصافيح = منا ومنكم يرملن الحلايل
والله ما تسرح على الحمض وتريح = ما دام ما حطوا علي النثايل
مادام ماغزت علي الصلافيح = ما نشرب الفنجال والحق مايل
حنا بعون الله عداة مفاليح = تشهد لنا بالطيب كل القبايل
على النضا والخيل دايم مشاويح = ما نتقي برد الشتاء والقوايل
نسعى بدنيانا نبي هبة الريح = ونخوض غباة ونكسب جمايل
ياما عدينا يم أبا الهيل وشبيح = وياما وطن فينا قفار وحايل
ومن الشعب جبنا نياق المصاليح = وردن واغرنا يم بيضا نثايل
وهل الحفر فاجيتهم بالمصابيح = وجبنا حلال الطيبين الحمايل
يوم العفون أهل السوالف مدابيح = أنا على الطفقات صايل وجايل






وبعد ذلك تطورت القضية وثار الشيخ دهام بن قعيشيش ، والشيخ نايف بن غبين ، وكذلك مشايخ قبيلة سبيع ، ثار كل هؤلاء متالبين ضد ساجر الرفدي ، ولكن ساجر أخذ يشن عليهم الغارات المتتابعه ، وحاصرهم حصاراً شديداً ، حتى حمى عليهم الرعي بالفلوات التي ينبت بها الحمض ، وقصد بهذه المناسبة الشاعر البليعان الذي هو من ضنا عبيد ( السبعة) والفدعان خصوم ساجر الرفدي ، وقد أثنى على ساجر ثناء عاطراً ومدحه بما يستحقه ، وهذه من فضائل العرب ، ولاشك أن الشاعر البليعان من المعجبين ببطولة ساجر ، وقد طلب له البليعان بالقصيدة التوفيق والعز ، وأشار الى كراهية المشايخ لساجر ، وقال : أن ساجر أغنى قومه بالغزوات ، وأن كل بلاد من بلاد الاعداء شرب مائها ، ووصل اليها ، وقال : أنه يكسب الأبل الوضح أي البيض في الوقت الذي كان الزعماء غيره نايمين عنها ، الى أن قال بقصيدته : أن ساجر يمتطي الخيل والأبل بغزواته الى أن يسيل الدم من خفاف الأبل ، من شدة الهجير بالصيف ، ثم ذكر أن ساجر حرم على ضنا عبيد المرتع في أراضيهم التي كانوا يملكونها من قبل ، وقد بينها في قصيدته وحددها ، وقال : أن أبناء وايل لايقربونها خوفاً من ساجر ووصفه بالأسد المطل على الذئاب من فوق مرتفع ، وهذه هي القصيدة :
: [/size]





يا راكب حمرا تذب الطواريق = جدعية قطع الفيافي مناها
مدت من الضلعان وقت التشاريق = تلفي لساجر هو محاري عشاها
عساه مع ربعه بعز وتوافيق = اللابه اللي كل شيخ جفاها
ساجر جموعه عاشها بالتصافيق = كم ديرة قد وردوا برد ماها
كم ديرة جوها العيال المطاليق = هدوا رواسيها وداسوا حماها
فوق الرمك ومجاذبات الخنانيق = كم طامح فكوا حبال وراها
الوضح جابوها تذب الطواريق = يوم أن كل نايم ما نصاها
من فوق قب من طوال السماحيق = وهجن بحر القيظ يدمي حفاها
الله يا عشب بالأكوام ما ذيق = في قفرةٍ راعي البويضا حماها
التنف وأرض شبيح وأرض الزرانيق = أولاد وايل ما تقرب حماها
من خوف ساجر يدب القوم ويويق = سبع الذياب اللي ظهر مع شفاها



وعندما تبين لساجر أن ضنا عبيد قد أجمعوا أمرهم على حربه قال قصيدة لم أظفر منها بسوى الخمسة الأبيات التالية : : [/size





يا عيال يللي فوق النضا مواريد = خوذوا سباياكم وخوذوا قراكم
خوذوا مهانيد النمش والبواريد = الله لا يخيب رجا من رجاكم
يا لابتي ما عاد فيها تصاديد = والعز بتالي خطوةٍ من خطاكم
يا لابتي نبي نطارد ضنا عبيد = حتى يبين طيبكم من رداكم
اللي يلفون الضماير على الكيد = بين خطاهم واستحقوا خطاكم



[size=4]لقد أستحث ساجر فرسانه وأمرهم بأخذ قلائصهم وخيولهم ، وأمرهم بأخذ سلاحهم من السيوف والبنادق ، وقال أن الحرب واقعه لا محالة بيننا وبين ضنا عبيد ، وأكد لهم أن عزهم عندما ينجزون مهمتهم ، بأتلى خطوة من خطاهم الثابتة ، وقال أننا سنتجاول نحن وضنا عبيد على الخيل ، حتى تثبت لهم شجاعتكم ، ويعرفونكم تماماً بميدان الحرب ، وأكد لجماعته أن خصومهم تنطوي ضمائرهم على الكيد والخبث ، وأنهم بدأوكم بالخطا ولذلك فقد أستحقوا خطاكم فيجب تأديبهم ، وبعد ذلك شن ساجر غاراته على ضنا عبيد ، بعد أن تجهز هو وفرسانه ، وأخذ أبلا لأحد كبارهم ، وعندما علم بذلك ضنا عبيد الذين هم السبعة والفدعان ركبوا خيولهم ولحقوا
بساجر ليخلصوا أبلهم منه ، فاحتدم الصراع بينهم وبينه عند الأبل ، وقام فرسان ( ضنا عبيد ) بمجهود كبير ، وهاجموا بشجاعة المستميت ، ولكن ساجر وأبطاله صمدوا وأثخنوا فرسان
( ضنا عبيد ) بالضربات القاتلة وتراجعوا عاجزين بعد أن قتل منهم عدد كبير ، وتم أستيلاء ساجر على الأبل . وبهذه المناسبة قال شاعر ساجر سليمان اليمني هذه القصيدة ، وقد فصل فيها تفصيلاً وافياً :
:



حرٍ شلع من راس سفان وأنهام = يهوي على ناحٍ ويصطي على ناح
هام العراق وقالوا الدرب قدام = وطالع على يمناه خلفات ولقاح
ونوى على درب المقادير جزام = براس اللوى أدلى على المال سراح
وأقفوا هل الطوعات عجلات الولام = بقطعان ابن كردوش كساب الأمداح
صكوا بهن صكت على الزاد صيام = حل الفطور وقال سموا بالأفلاح
ولحقوا هل العرفا وطابور الأروام = فزعة قطين وبه عشاشيق طماح
وهازوا وردوا والدخن ينهم زام = وشافوا سهوم الموت من دونهم لاح
وتلافتن حرش العراقيب سجام = شرهن على مركاض مهدين الأرواح
وغدا لهم عقب النوادية نمنام = وأنيابهم من حامي السو كلاح
وقفوا معيفينٍ بعد ضرب وزحام = كم من عديمٍ باللقا قفوهم طاح
أنذرتكم يا بشر في عامنا العام = عن طاري الفزعة ليا صاح صياح
مادام ساجر كنه السيع ضرغام = عن صيدتة ما نزحه كل نباح
مصطور قطاع الفيافي وجزام = عيى عنيد للطوابير نطاح
من راس البلقا الى نقرة الشام = منه الدول خافت على كل فلاح



وهنا أكد الشاعر سليمان اليمني وصف وصف سيده وزعيمه بالصقر الذي أعتلى مرتفعاً من الأرض ، وأخذ يتحفز لأقتناص صيدته ، وأوهم أعداءه أنه يريد غيرهم لينقض عليهم على غرة ، والحرب خدعة ، وقال أنه فاجأهم وأخذ أبل بن كردوش ، وشهد له الشاعر أنه من الذين يكسبون المدح ، أي من الرجال الطيبين ، ثم ذكر أنهم أحاطوا بالأبل من كل جانب أحاطة السوار بالمعصم ، أو كأحاطة الصائمين بفطورهم بعد أن غربت الشمس وحل الفطور ، ثم انه قال : أنهم لحقوا أهل ( العرفا ) وطابور الأروام ، اما هل العرفا فهم قبيلة السبعة وكانوا ينتخون بالعرفا ، والعرفا المذكورة هي الأكمه الصغيرة التي تقع شرق مطار الطائف ، أما الأروام فهم الخرصة من قبيلة الفدعان جماعة بن قعيشيش وهم ينتخون بالروم وهذه عادتهم , وفي نفس البيت قال : انهم هبطوا من القطين أي من المنهل الكبير الذي تجتمع فيه قبائلهم ، وهنا يبين أنهم ليسوا بقلة ، بل أن عددهم كثير ، وقال أنهم هاجموهم بعد تردد وبعد ان ثار ملح البارود من بنادقهم ، وكذلك رأوا الموت يحول بينهم وبين أبلهم ، ثم قال أن الأبل ألتفتت اليهم ساجمة أي ذاهلة حسيرة وكانت مؤ ملة أن أصحابها يخلصونها ، ولكن أنيابهم كلحت ، وظهر عجزهم ، وأخذوا يتقهقرون ، ورجعوا يائسين من فكها ، بعد أن شاهدوا عدد القتلى على الأرض دونها ، ثم قال الشاعر أنني نصحتكم بالعام الماضي ولم تقبلوا نصيحتي ، وقلت لكم أن شيئاً يغنمه ساجر لا تفكروا بأرجاعه ، وأنه لا يضيره نباح الكلاب ، وقال أن ساجر مصطور أي صلب القناة ، وأنه يقطع الفيافي الموحشة ولا يرهبها ، وعنيد بالحروب ويقابل الطوابير أي الكراديس من الخيل ، ثم قال بالبيت الأخير أن دولة الأتراك أخذت تخشى على كل فلاح من ساجر ، لأنه أخذ يتوغل بين قرى العراق وسورية ، وقام بغارات قرب المدن .
لقد نجح ساجر في أول معركة على ( ضنا عبيد ) وأخذ يوالي غاراته عليهم ، وفي أحدى المناسبات قال هذه القصيدة في خصومه ( ضنا عبيد ) :
:



يامن لعين كلما قلت نامت = فزت وقامت ماتريد منام
ويامن لقلب كل ماقول داله = يجيه من بين الضلوع وهام
يحس ضيم من الرفاقه وغدرهم = ربعٍ عليهم كل يوم ملام
تشاوروا بالغدر ناوين حربنا = نايف وبلاص الرجال دهام
يبون غرتنا وحنا عذابهم = ومن قال أنا ضيم الرجال يضام
عليهم مشاويل السبايا نجرها = بربعٍ على خوض الحروب هيام
ياما وردنا عقلةٍ جاهلية = وطيرت من جال القليب حمام
حريبنا يشكي مصاطي سيوفنا = أن ثار من تحت الكتام كتام
وعدونا نسقيه كاسٍ من الطنا = ونجيه فوق الراهمات شمام
كم غارةٍ وجهتها يمة العدا = وخذت من عقب الجهام جهام
كمٍ خيرٍ شاف العنا عقب فعلنا = تذكر لعزه بالمنام حلام
ما دام أنا حي فهذي فعايلي = وأن مت للجنة برد وسلام




بين ساجر بهذه القصيدة أنه يشعر بأن ( ضنا عبيد ) يتآمرون عليه وخص بذلك الشيخ نايف والشيخ دهام بن قعيشيش ، ولكنه قال اذا كانوا يهتمون بغدرنا فنحن على أهبة الأستعداد لهم ، ومن أعتقد أنه سيضيم الرجال ، فالرجال سيضيمونه ، وسوف نقابلهم على صهوات الجياد ، ثم أخذ يفخر بنفسه وبقومه ، ويوضح أعمالهم ، وقال في آخر بيت أنه سيواصل أفعاله ما دام حيا ، الى أن قال : وان توفاني الله فأنا أرجوا رحمته وجناته .
وبهذه الفتره أحس ساجر أن أبن هذال شيخ العمارات لا يطمئن له ، وأنه أخذ يعمل ضده ، ورفض أن يساعده على حربه مع ( ضنا عبيد ) وقال هذه الأبيات :
:




أن بعتنا ياشيخ حنا ذكرناك= بالخير يا رامي عباته لغيره
ياشيخ ما حنا هذولا وذولاك = حنا معادينا على كل ديره
صابورنا ياطا على حوض الأدراك = وخيل مكامين وخيل مغيره
كانك تبي فضخة عيونك بيمناك = أضرب عليها يا قليل البصيره

عساف دخنان
12/02/08, (02:12 PM)
بسم الله الرحمن الرحيم


لقد طال حرب ساجر مع قبائل ( ضنا عبيد ) وحصل بينهم معارك دامية ، وكان ساجر مضرب الأمثال بالأقدام ، والطموح ، وقد عاش عمراً طويلاً ، وعندما طعن بالسن وشعر أن قواه بدأت تضعف وأحس أن سعده لم يكن كما كان .. قال هذه القصيدة متغزلاً بمحبوبة له وهو يقصد دنياه التي عاش فيها :
:



عيني قزت عن نومها وأسهرتني= ماهي مريضه مار بالقلب ولوال
واحسرتي من عشقتي عايفتني = وشامت ونسيت ما مضى لي بالأفعال
تعطرت يوم أنها باغيتني = واليوم ما حطت علومي على البال
وقرونها جرد السبايا تلتني = وعطورها دم النشاما ليا سال
عاهدتها بالله وهي عاهدتني = واليوم أشوف أفعولها أقفاي واقبال
دنياي بحمول العنا ضاهدتني = والكبر يرث بالرجل كل غربال
من مدها بالجود ياما عطتني = وياما ركبنا فوق عجلات الأزوال
وياما على طيب الفعايل هدتني = وخليت عيرات النضا تهذل أهذال
نمشي على ما كاد لو ساعفتني = وأن عاضبت نذكر بها زين الأمثال
وكم سربةٍ نجرها تابعتني = وخليت غارتها على القوم تنهال
والله لخوض بحورها لو عصتني = ما دام جسمي باقي ما بعد زال
مالي حسايف كانها خالفتني = للي يخلط الخير والشر عمال



لقد أشتكى ساجر من الأرق ، وبين أسباب أرقه ، ليس من مرض في عينه ولكن لما بقلبه من الولوال، وما يخالجه من الفكير .. ثم أشار متحسراً على محبوبته التي لمس أنها بدأت تنفر منه ، وتناست ماضي فعاله ، وعاملته بالصدود ، وذكر أنها أيام كانت مقبله عليه ، تتعطر وتتجمل ، أما الأن فلم يعد يخطر لها على بال ، ثم وصف ذوائب هذه المحبوبة ، وبين أنها جرد السبايا أي ضمر الخيل ، وأن عطرها دم الأبطال المسفوك ، وذكر أن بينه وبينها عهداً مؤكداً ولكنها أخذت تنكث العهد ، وبدأت تعرض عنه ، وأشتكى بأنه تحمل الغبن من دنياه ، بأسباب الكبر، لما وهن العظم منه ، وشتعل الراس شيباً ، ولطالما مدته بالجود وأعطته من خيراتها ، على صهوات الخيل ، باحثاً عن الرزق ، وكم أهوال لطيب الأفعال وركوب الأبل واجهوها لنيل مقاصدهم ، الى أن قال : سوف أتجشم الصعاب ، لو أنه ساعفتني ، أما اذا أصرت وأعرضت فسأذكرها بالأمثال ، أي الأشعار ، ثم رجع الى ماضيه وقال : كم كوكبه من الخيل قادها وأغار بها على القوم ، ثم أقسم على نفسه رغم كبر سنه أنه سيخاطر بآخر حياته مادام جسمه باقياً ، وفي آخر بيت قال : أنه لا ولن يأسف اذا هي خالفته شريطة أن تتجه الى كفئ يخلط الخير والشر .
ولاشك أن ساجر قد ضرب مثلاً عالياً بالشجاعة والأقدام ، وتزعم قبيلة ( السلقا ) وتضائل أكثر زعماء القبائل أمامه ، ولازالت زعامة قبيلة السلقا يتوارثها أحفاده ، وهم يسكنون بقرية الشملي في أعلي بلاد طئ .
ومن القصص الغريبة التي أتفقت للشيخ ساجر أنه كان نازلاً في أحد مضاربهم ، وله جار يمتلك ستين شاة من الغنم ، وجاء نذير لساجر بأنهم غداً مصبحون من أعدائهم فأصدر أمره الى جماعته بالتحول عن هذا المضرب تفادياً لمفاجأة العدو ، وكانت مواشيهم من الأبل والخيل وليس معهم من الشياه سوى الستين التي يمتلكها جارهم ،وقبل أن يغادروا مقرهم ، فاجأتهم غارة العدو وكان من الممكن أن ينجوا بالخيل والأبل ولكنه من الصعب أن بنجوبالشياه ، وكبر على الشيخ ساجر أن تنجوا قبيلته بابلهم وخيلهم وأن تكون شياه جاره هي كبش الفداء ، وهاله الأمر ثم فكر ماذا يكون حديث الناس عنهم اذا تخلوا عن جارهم وشياهه ، وآخيراً صمم على أن يحملوا شويهات جارهم وأن يقدموها على أموالهم وأولادهم .. فدبر خطة تدل على أن ساجر الى جانب جرأته وشجاعته كان من دهاة الرجال ، شطر خيل أصحابه شطرين لتنفيذ هذه الخطة وكان عدد فرسانه نحو مائة وعشرين فارساً ، فأمر ستين منهم أن يلتقط كل واحد منهم شاة من تلك الغنم ، ثم ينحونها أمام ظعنهم ، بينما الستين الآخرين يقفون مستميتين في وجه العدو المغير ، ثم يعود اللذين نحو الشياه ليشتركوا في المعركة ويخففوا عن أخوانهم ويفسحوا لهم المجال لينوبوا عنهم هذه المره في نقل الشياه وأبعادها مرة ثانية عن المعترك .. وهكذا أستمر أنصار ساجر وفرسانه يتبادلون نقل الشياه ويكافحون العدو المغير في كر وفر معه ، وطراد ونزال ، حتى تم لهم النجاة بشياه جارهم ولم ينقصوا من أموالهم شيئاً ، وعاد المغيرين بخفي حنين ، يجرون أذيال الفشل والخيبة ، كل ذلك فعله ساجر في سبيل حماية الجار ، التي هي من شيم العرب .
ومن ذلك التاريخ أستحق ساجر وجماعته أن يطلق عليهم لقب أصحاب الشويهات ، وهم الى الأن يعرفون بهذا اللقب ، ومعناه أنهم الذين نجوا بشويهات جارهم .
وقصه أخرى طريفه وقف فيها عند قوله وأظهر صوامته وقوة ارادته ،
أن قدرة الأنسان الحقيقية لا تكمن في فعله فقط .. كما أن ذكاءه وأخلاقه لايمكن أن تحدد بأقواله ومعتقداته ، وأن أصعب شئ قد يواجه الأنسان – أي أنسان – هو التوفيق بين ما يهدف اليه
وما يقوله وما يصنعه ، وبمعنى أصح (( أن يقف عند كلمته )) نعم أن الوقوف عند الكلمة ، قد حملت الأنسان الشجاع الكثير الكثير من التضحيات الجسيمة ، ولكنه مع ذلك أعطى بنفس سخية
لا تبخل ، ونفس أبية لا تجزع ، ونفس عزيزة لا تتطامن ، وجنى فوق ذلك كله راحة البال والضمير ، وقد علمنا التاريخ أنه ما من أنسان وقف عند أقواله وقوف المؤمن الصادق ، والمحارب المستميت ، الا وتفتحت أمامه أبواب النصر باباً بعد آخر .. ومثل هذا الرجل انما يغزو قلوب الناس قبل أراضيهم ، ويكسب حبهم قبل أموالهم ، ويضرب الأمثال الشريفة على معنى الوفاء بالعهد .
وامامنا الآن مثال رائع جسد واقع الوفاء بالقول أبلغ تجسيد ، ان قصة ( ساجر الرفدي ) التي تعطينا أبعادها وملامحها قصيدته المشهورة التي تقول :
:



وامهرتي وأنا عليها شفاوى = ان قيل يا هل الخيل تطري عليه
ماني معودها لكسب الشواوي = ولا رددت فرق البقر بالزويه
أبرها لمكسرين العزاوي = والحق عليها كل راعي رديه
يوم الملاقى تعترض بالاهاوي = الى تنادوا بينهم بالحميه
وأنا على جدع المدرع رهاوي = وياما جدعت الشيخ والا حليه
وياما تحملنا كبار البلاوي = وننطح وجيه أهل العزوم القويه
وانا لعصمين الشوارب فداوي = حماية الساقات في كل هيه
وليا اجتمع حس الغنا والنعاوي = يا طراد هاك اليوم عيدٍ عليه




وقدر لساجر الرفدي أن يغزو قبائل الشويان الغزالات .. وقد تغلب عليهم وغنم منهم من الأغنام مايزيد على عشرة آلاف راس .. وعندما أخذ يوزع الغنايم على قومه ، أتى اليه رجل من الشويان المهزومين وقال لساجر : ألست القائل لهذا البيت : :





ماني معودها لكسب الشواوي= ولا رددت فرق البقر بالزويه



ففوجئ ساجر وبهت ، وأجابه ينعم أنا القائل لهذا البيت .. فرد عليه الشاوي ، اذن لماذا تأخذنا ولم تفي بكلامك . فهب ساجر قائماً ونادى في قومه أن تخلوا عن المكاسب جميعها ويجب أن تعاد الى أهلها بدون نقصان – ولاشك بأن هذا الفعل انما يدل على ما يتمتع به ساجر من أحترامه لنفسه قبل أي شئ آخر .. ومعنى أن تحترم نفسك ، أي تصونها وترفعها ولا تجعلها مستنقعاً مليئاً بالمتناقضات والأكاذيب .
وحقاً لقد وفى ساجر و ( وقف عند كلمته ) بكل شجاعة وتضحية ، واستحق بذلك أن يكون رجلاً وبطلاً يصنع التاريخ .
:

عساف دخنان
24/04/08, (04:33 PM)
بسم الله الرحمن الرحيم



ثالثاً : شالح بن هدلان

نسبه – مكانته في قومه – فروسيته – أخوه الفديع – شجاعته – الالفه بينه وبين أخيه – تبادل الشعر بينهما – قتل الفديع وحزن شالح عليه – أبناء شالح – قتل عبيد بن حميد في ثأر الفديع – الشعر بين شالح والجمدة حول ذلك – بروز ذيب بن شالح وفروسيته النادره – شعره – لطفه مع أبيه –كسبه لجواد نادر – أبوه يبكيه حياً – القبائل تتحاشى الأغاره على قومه خوفاً منه – اغارة الملك عبدالعزيز على ظعينة والده – دفاعه المستميت دونها – شعر والده في ذلك – قتل ذيب وحزن والده عليه وشعره في رثائه – كيف قتل ؟ الهويدي وطيره وشعر شالح فيه .. الخ ...

هو الفارس شالح بن حطاب بن هدلان ، نشأ بين أفراد قبيلة الخنافره التي هي فخذ من قبيلة آل محمد القحطانيه ، وعاش الى سنة 1340هـ تقريباً ، وكان مثالياً بشجاعته وأمانته وصدقه وحسن أخلاقه وكرمه ووفاءه ، وكان يحكم لحل المشاكل سواء كانت على مستوى قبلي أو فردي ، وكان محبوباً عند قبائل قحطان وعند القبائل الآخرى 0 نشأ شالح بين أفراد قبيلة الخنافره ، وكان له أخ يسمى الفديع كان أصغر منه كثيراً ، شقيقاً له ، وكان مثالياً بشجاعته وأخلاقه ، ويماثل أخاه شالح في كل شئ ، الا أنه كان مغامراً بفروسيته الى أبعد الحدود ، وكان وفياً مع أخيه شالح ، وخادماً اميناً له ، يرى أن تفانيه في خدمة أخيه الأكبر فضيلة من الفضائل لا يعادلها شئ ، وبعد كملت رجولته تحمل كل مشاق الحياة عن أخيه شالح وأصبح هو حامي ظعينتهم ، وكانت ابلهم لا تذهب للمرعى الا وهو معها مدججاً بالسلاح على صهوة جواده ، وكان حصناً حصيناً لها ، ولأبل الحي ، ولا يخطر ببال أي عدو أن يغير عليها مادام الفديع عندها ، وأذا تجرأ أحد من الأعداء وأغار عليها فلا بد أن يرجع مدحوراً ، وذات يوم مع بزوغ الشمس ، وأخوه شالح جالس حول ناره يحتسي القهوة 00 ألتفت الي الأبل وهي في مباركها قرب البيت رآها تعتب بعقلها ولم يرى الفديع ، فنادى شالح قائلاً : الأبل تعتب بعقلها والفديع غائب عنها أين هو ؟ فقيل له : أن زوجتك تنظف رأسه أي تغسله وترجله داخل البيت ، فقام غاضباً ورأى زوجته تغسل رأس أخيه كعادتها فقال : الأبل حائره في مباركها ولم تذهب للمرعى وأنت عند النساء تغسل رأسك ، فأخذ من التراب ووضعه على راس أخيه ، فقام الأخ البار خجلاً من أخيه وأخذ يمسح التراب عن رأسه ، وهو يردد كلمته العفو يا أخي ، ثم طلب من زوجة أخيه أن تسرج جواده ، وتحضر سلاحه ، وذهب للأبل مسرعاً ، وأخذ يطلق عقالها ، أما شالح فقد رجع الى قهوته ، وجلس من حولها ، وعندما أطلق الفديع عقل الأبل رجع وأخذ سلاحه ولبس عدته ، ثم أتى الى أخيه يمشي بحذر وبخفه متناهية من حيث لايشعر به فقبل رأسه وقبل مابين عينيه ، وقال : في أمان الله يا أخي 0 وركب جواده وأتبع أبله ، التي لا يطمئن شالح الا بوجود أخيه معها 0 وعندما رجع الفديع بعد غروب الشمس أتى الى أخيه شالح وسلم عليه ، وقبل ما بين عينيه ، وجلس في مكان أخيه عند القهوه ، وأخذ يصب لأخيه شالح ، ويقص عليه أخبار يومه الفائت ، ويداعبه بالنكت المضحكه ، ويحاول أن يثبت لأخيه شالح أنه لا يحمل في نفسه عليه أي عتب ، وأنه لم يغتظ من حثو التراب على رأسه ، وكل ما يهمه هو أن يكون أخوه راضياً عنه ، وكان الفديع على عادته آتياً بعدد من الغزلان أصطادها بالفلا فأخذ يقدم لأخيه من طيب لحمها ، وعندما أراد شالح أن يأوي الى مضجعه ، همست زوجته بأذن الفديع وقالت : أن الماءالذي عندنا نفذ ، ولا بد أن أخاك عندما ينتبه من نومه سيطلب ماء للقهوة ، وسأخبره أنه لا يوجد عندنا ماء ، فقال الفديع : الحذر أن يعلم أخي بذلك وطلب منها أن تذهب لأحد الجمال وتنيخه بعيداً عن الأبل وتضع رحله عليه وأن تضع عليه مزادتين وركب الفديع جواده ، وأستاق الجمل أمامه ، وراح يبحث عن منهل يستقي منه الماء ، وعند طلوع الفجر الأول ، وقبل أن يستيقظ أخوه عاد محملاً الجمل بالماء ، وحط الرحل وسكب من الماء في دلال أخيه لتكون جاهزه لأعداد القهوة عندما يستيقظ ، ونام هو قليلاً الى قبل طلوع الشمس ، وقام كعادته وصبح أخاه بالخير ، وأنطلق بأبله كعادته للفلا ، وبعد ذلك أسرت أمرأة شالح لزوجها بما فعله الفديع ، وعندما عاد الفديع بعد غروب الشمس ، وسلم على أخيه وجلس عنده ، لاحظ الفديع أن أخاه شالحاً كثير التفكير ، ومشدوه البال ، فسأله قائلاً : ما بك هذه الليلة ، عسى أن لا تشكو من ألم ؟ أخبرني لأن ما رأيته من تفكيرك أساءني ؟ فقال : ياأخي ليس بي شيئ الا أنني أفكر في حالتك لأنني أتعبتك في هذه الدنيا ، وأنت وحدك متحمل مشاق هذه الحياة ، وكل أيامك وأنت على صهوة جوادك ، وأنا أعرف أن هذا شئ يضني 0 وكم أود أن يكون أبنائي كبارا ليساعدونك ويخدموك ، ولكنك أنت متكفل بهذه العائلة الكبيرة 0 فقال الفديع : أنا سعيد بأن أقوم بخدمتك ، وكل ما أوده بهذه الحياة أن أكون وفياً معك ، وأن أحوز رضاك ، وأن أخدمك كما يجب علي ، وأن لا يحصل مني شئ يكون سبباً في أزعاجك 0وأنشد



:



يا بو ذعار أكفيك لوني لحالي = وأصبر على الدنيا وباقي تعبها
وأن غم أخوه معثرين العيالي = أنا لخويه سعد عينه عجبها
وأن جن مثل مخزمات الجمالي = كم سابقٍ تقزي وأنا من سببها
كم خفرةٍ قد حرمت للدلالي = لبست سوادٍ عقب لذة طربها
وأن جيت لي قفرٍ من النشر خالي = يفرح بي الحواز يوم أقبل بها
أفديك يا شالح بحالي ومالي = يا فارس الفرسان مقدم عربها
يا متيه أبله بروس المفالي = ياللي حميت حدودها يا جنبها







قال هذه الأبيات لأخيه فتأثر شالح بها ، وأجابه بهذه القصيده :





لا واخوٍ لي عقب فرقاه باضيع = كني بما يجري على العمر داري
أخوي يا ستر البني المفاريع = ومطلق لسان الي بأهلها تماري
ما قط يومٍ شد بين الفراريع = يا كود ما بين الكمي والمشاري
ليته عصاني مرةٍ قال ما طيع = كود أني أصبر يوم تجري الجواري
أنا أشهد أنه لي سريع المنافيع = عبدٍ مليك لي ولاني بشاري
تشهد عليه مناتلات المصاريع = وأعداه من كفه تشوف العزاري
يمناه تنثر من دماهم قراطيع = وعوق العديم اللي بدمه يثاري
جداع سفرين الوجيه المداريع = مخلي سروج الخيل منهم عواري
القلب ما ينسى بعيد المناويع = ليثٍ على صيد المشاهير ضاري






وكأن شالحاً قد توقع بهذه القصيده مستقبل أخيه الفديع ، لأن الفديع كان مغامراً بقتاله ، وكان أخوه شالح يخشى عليه دائماً من مغامراته ، لأنه يراه هو كل شئ بالنسبة له ، وكان يفضله على نفسه ، ويفاخر به عند القبائل ، وذات يوم كان شالح راحلاً بظعينته ، وكان أخوه الفديع أرمد العينين ، وجواده يقاد مع الظعينه ، وهو في هودج ، معصوبة عيناه ، فأغار على ظعينتهم كوكبة من الخيل ، وتبين لهم أن هذه الخيل المغيرة هي خيل الحمدة زعماء قبيلة عتيبه ، الشجعان المشهورين بالفروسية ، والذين يضرب المثل بشجاعتهم ، فأخذ شالح وحده يدافع عن الظعينة بكل بسالة ، وكان الحرب بينه وبين المغيرين سجالاً ، فمره يهزمهم ويبعدهم عن الظعينة ، ومره يكثرون عليه ويهزمونه الى أن يصل الى ظعينته ، ثم تتصاعد صيحات النساء ، وزغاريدهن حافزات له على القوم ، فيلقى القوم بقلب أقوى من الحديد ، الى أن يبعدهم عن الظعينة ، فطال القتال وهم على هذا المنوال ، وقد لاحظت والدة شالح والفديع ، أن شالح أعياه الطراد ، فنزلت من هودجها وأسرجت جواد الفديع الأصفر ، وأحضرت سلاحه ، وقالت : أنزل وهب لمساعدة أخيك ، لأن القوم سيغلبونه 0 فقال : يا أماه أنا أذوب كمداً وأحترق حسرة من حين سمعت غارة الخيل ، ولكن كيف أرى حتى أساعد أخي ؟ فقالت : أنا سأجعلك تبصر ، وكان متلهفاً لأن يرى بعينيه ، حتى يهب لمساعدة أخيه ، وعندما أنزلته أمه من الهودج أتت بماء وغسلت عينيه وأخذت تفتحهما بشدة ، ويقال أنه عندما أنفصل كل جفن عن الأخر نزل الدم والصديد معاً من عينيه ، فوثب كأنه النمر ، وركب جواده وهو لا يبصر الا قليلاً ، وكانت خيل الأعداء آتية بأخيه ، فستقبلهم الفديع المغامر غير مبال ، فجندل أول فارس ، ورجعت الخيل هاربة فجندل الآخر ثم جندل الثالث ، وعندما أنغمس بين الخيل ، رشقوه بعدد كثير من الرماح دفاعاً عن النفس ، فأصاب الفديع رمح أخترق رأسه فخر قتيلاً ، ولكن الأعداء أستمروا بالأدبار ، لأنه قد أعياهم القتال ، ونزل شالح عن جواده وقلب أخاه فاذا هو ميت ، وكانت نكبة موجعه لشالح وكانت لحظات ألم أحس وكأن خنجراً مزقت أحشاءه دون أن يستطع ايقاف ألمها الا بالدموع التي
تسابقت متناثرة على وجنتيه ، اللتين علاهما غبار المعركة ، وبعد أن قبل أخاه القبلة الأخيرة ، نظر الى ذلك الجبين المعفر بالتراب ، الذي طالما لامس الارض من خشية الله ، ونظر الى تلك العينين اللتين طالما سهرتا عليه الليالي الطوال ، ونظر الى ساعديه اللذبن طالما أنطلقت منهما الرماح لتصافح صدور الأعداء ، ذائدة عنه وعن محارمه وأمواله 00 وهكذا دارت الأفكار برأس الأمير المنكوب شالح ، ثم مسح التراب عن أخيه بكف مرتعشه ، وطبق جفنيه وأمر من حوله أن يكفنوه ، وكانوا في واد بنجد يسمى ( خفا ) وكان على جانب الوادي هضبة تسمى هضبة ( خفا ) فدفن الفديع على مقربة من هذه الهضبة 00 وهكذا طويت صفحة من التاريخ ، سجلت مثلاً رائعاً للشجاعة والوفاء وكيف كان بر الأخوين لبعضهما ، والمعاملة بينهما التي هي من شيم العرب وأحدى مفاخرهم 0
لقد رثا شالح أخاه بقطرات من دم قلبه في هذه المقطوعة :



أمس الضحى عديت روس الطويلات = وهيضت في راس الحجا ماطرا لي
وتسابقن دموع عيني غزيرات = وصفقت بالكف اليمين الشمالي
وجريت من خافي المعاليق ونات = والقلب من بين الصناديق جالي
واخوي ياللي يم قارة خفا فات = من عاد من عقبه بيستر خمالي
ليته كفاني سو بقعا ولا مات = وانا كفيته سو قبرٍ هيالي
وليته مع الحيين راعي الجمالات = وأنا فداً له من غبون الليالي
واخوي ياللي يوم الأخوان فلات = من خلقته ما قال : ذا لك وذا لي
تبكيه هجن تالي الليل عجلات = ترقب وعدها يوم غاب الهلالي
وتبكي على شوفه بني عفيفات = من عقب فقده حرمن الدلالي
عوق العديم ان جا نهار المثارات = والخيل من حسه يجيهن جفالي

عساف دخنان
24/04/08, (04:35 PM)
وكان لشالح ثلاثة من الصبية أكبرهم ذعار وأوسطهم ذيب وأصغرهم عبدالله ، فأخذ شالح يربيهم ويعلمهم الفروسية ، وتبين له وهم في سن الطفولة ، أن من بينهم صبياً سيعوضه أخاه الفديع ، لمع بعينه معاني الفروسية والرجولة ، وكان أديباً طائعاً لأبيه ، فأصبح شالح لا يحب أن يغيب عن ناظره لحظه واحدة ، الى أن برز بميدان الفروسية ، وكان مثلاً للشجاعة ، وكان مضرب الأمثال بين قبائل نجد ، ولم يكن أخوا ذيب ذعار وعبدالله الا فارسين معدودين من أفرس الرجال بين قبيلة قحطان ، وكانا يتقدمان الغزاة الى بلاد الأعداء ، ولهم أفعال مجيدة بين قومهم ، ولكن شهرة ذيب وشجاعته النادرة غطت على أخويه ، وعلى غيرهم ، وقبل أن يأتي دور ذيب بقي شالح يترقب الفرص بالحمدة رؤساء قبيلة عتيبة ، لأخذ ثأر أخيه الفديع ، وقد أعد العدة لذلك ، وبعد مرور الأيام سنحت الفرصة لشالح لأخذ الثأر من الحمدة بعد أن تقابلوا بالميدان ، وكان أحد أقارب شالح يسمى مبارك بن غنيم بن هدلان قد تعهد بأخذ ثأر الفديع ، فعمد الى عبيد أبن الأمير تركي بن حميد الفارس المشهور ، عمد اليه في حومة الوغى فجندله بثأر الفديع ، فكبر المصاب على الحمده بفقدان عبيد بن تركي بن حميد ، وكان خسارة مؤلمة لهم ، وأخذ أخوه ضيف الله بن تركي يتمثل بهذه الأبيات راثياً أخاه عبيد ، ومتوعداً قبيلة قحطان التي قتلت أخاه ، ومحرضاً الأمير محمد بن هندي بن حميد على ذلك فقال :






ياونتي ونة كسير الجبارة = الى وقف ما احتال وليا قعد ون
عليك يا شباب ضو المنارة = عليك ترفات الصبايا ينوجن
من مات عقب عبيد قلنا وداره = لا باكي عقبه ولا قايل من
تبكيك صفرٍ البسوها غياره = تبكيك يوم أن السبايا يعنن
وتبكيك وضحٍ ربعت بالزباره = اليا قزن من خايع ما يردن
الخيل عقب ما به نماره = وش عاد لو راحن وش عاد لو جن
يا شيخ ما تامر عليهم بغاره = كود الجروح اللي على القلب يبرن
يقطع صبي ما ينادي بثاره = الى أقبلن ذولي وذوليك قفن
ياهل الرمك كل يعسف مهاره = والمنع ما نطريه لاهم ولا حن

فأجابه شالح بن هدلان بقوله :


ضيف الله أشرب ما شربنا مراره = اصبر وكنك شالح يوم حزن
راح الفديع اللي علينا خساره = واخذ قضاه عبيد حامي ثقلهن
يمنى رمت به ما تجيها الجباره = اللي رمت بعبيد في معتلجهن
من نسل أبوي وضاري للشطاره = يصيب رمحه يوم الأرماح يخطن
وعبيد خلي طايحٍ بالمغاره = عليه عكفان المخالب يحومن
وعاداتنا بالصيد ناخذ خياره = ثلاثة الجذعان غصبن بلا من
يا قاطع الحسى ترى العلم شاره = لا بد دورات الليالي يدورن
حريبنا كنه رقيد الخباره = خطرٍ عليه اليا توقظ من الجن
ماني بقصادٍ بليا نماره = أجدع نطيحي بالسهل وأن تلاقن
من حل دار الناس حلوا دياره = لا بد ما تسكن دياره ويغبن
ومن شق ستر الناس شقوا ستاره = ومن ضحك بالثرمان يضحك بل سن
وان كان ضيف الله يعسف مهاره = فمهارنا من عصر نوح يطيعن
تدنا لصبيان سواة النماره = شهب لماضين الفعايل يعنن

وهنا نوه شالح بن هدلان عن مقتل عبيد بن تركي بن حميد ، وأنه أخذ ثأر الفديع منه ، وكذلك أشار الى مقتل الثلاثة الجذعان أي الثلاثة الشبان وهم : سلطان بن محمد بن هندي ، ونائف بن محمد بن هندي ، وأبن عم لهم ، وقد قتل الجميع بثأر الفديع 0

عساف دخنان
24/04/08, (04:39 PM)
نرجع الى الصبي ذيب بن شالح بن هدلان ، فعندما بلغ سن الرابعة عشر ، وكان بهذا السن قد تدرب على ركوب الخيل ، وقد رباه أبوه أحسن تربية ، وذات يوم أجتمع مشايخ الحي من أقارب شالح ، وهم أبناء عمه السفارين ، أجتمعوا لرأي ، ولم يدعوا شالح لحضوره ، وفي آخر اجتماعهم أرسلوا اليه رسولاً يدعونه ، وكان عنده علم بأجتماعهم ، فقال لرسولهم : أخبرهم أنني لن أحضر أجتماعهم ، لأنهم أجتمعوا قبل أن يخبروني ، وأنا سأرحل حالاً الى قبيلة الدواسر ، وقد رحل فعلاً وحاولوا أن يرضوه وأن يعدل عن رأيه ، ولكنه أصر على الرحيل وأرسل

لهم هذه القصيدة :




أنا ليا كثرت لشاوير ما شير = وحلفت ما تي بارزاً ما دعاني
وأنا صديقه في ليالي المعاسير = والا الرخا كلٍ يسد بمكاني
وشوري ليا هجت توالي المظاهير = شلفا عليها رايب الدم قاني
شلفا معودها لجذع المشاهير = يوم السبايا كنها الديدحاني
ماني بخبل ما يعرف المعابير = قدني على قطع الفرج مرجعاني
أن سندوا حدرت يم الجوافير = وأن حدروا سندت لمريغاني
ناخذ بخيران المريبخ مسايير = وما دبر المولى على العبد كاني

فرحل الى قبيلة الدواسر ، وعندما وصل اليهم أكرموه وأعزوه ، فصادف ذات يوم وهو عندهم أن أغار عليهم فرسان من قبيلة عتبة آخر النهار ، وكان ذيب بن شالح قد بلغ من العمر أربعة عشر عاماً ، ولكن والده قد أعد له جواداً من الخيل ، وقد دربه على فنون القتال ، لأنه يعلق على ذيب آمالاً جساماً ، وعندما علم الدواسر بغارة الفرسان على أبلهم ، ركبوا خيولهم وكروا على القوم المغيرين ، وكان جارهم الصغير ذيب معهم ، وعندما تجاولوا على الخيل عند الأبل ، منع الدواسر أبلهم ، وراحوا يطاردون المغيرين من قبيلة عتيبة ، وكانت الشمس قد غربت ، فدفع ذيب جواده بسرعة البرق على فارس من قبيلة عتيبة كان في مؤخرة الفرسان ،يدافع عن جماعته فلكزه برمحه الصغير ، فرماه عن جواده ، وأخذ الجواد غنيمة ، وكانت صفراء اللون ، أي بيضاء ، وكانت غريبة الشكل ، لا يعادلها من الخيل شئ ، فرجع فرسان الدواسر منتصرين ، بعد أن هزموا القوم ، وأخذوا منهم عدداً من الخيل ، ورجع ذيب مع جيرانه منتصراً ، وغانماً أجود جواد في نجد وكانت هذه أول وقعة يحضرها ذيب ، فأسرع أحد فرسان الدواسر ليبشر جارهم شالح أن أبنه بخير ، وأنه غنم جواداً لا يعادلها جواد في نجد ، ولما وصل الفارس الى شالح وجده واقفاً أمام بيته يترقب أخبار أبنه الغالي ، الذي يعلق عليه آمالاً كبيرة ، فبشر الدوسري جاره بما فعل أبنه ذيب ، وأثنى على ذيب بما هو أهل له ، فتهلل وجه شالح بشراً ولما وصل أبنه ذيب ترجل عن الجواد الذي غنمه من القوم ، وجاء يمشي نحوأبيه بخطوات ثابته كأنه النمر فسلم عليه وقبل جبينه ، وسلم له عنان الجواد الغنيمة فشكره أبوه وقال : هذا ظني فيك ياذيب ، وعندما رأى شالح الجواد عرف أن له شأناً عظيماً0 وفي الصباح أعاد النظر في الجواد ، فاذا هي التي يضرب بها المثل عند قبيلةعتيبة ، وقبائل نجد ، وكانت تسمى ( العزبة ) وعندما علم بها الأمير محمد بن سعود بن فيصل ، وعلم بها أمير حائل محمد بن رشيد ، أرسل كل منهما رسله يطلبون الجواد من شالح ، فأعتذر من الرسل ، وقال لهم بصريح العبارة : أن هذه الفرس أخذها ذيب من الأعداء ، وهي لا تصلح الا له ، وأنشد :



يا سابقي كثرت علوم العرب فيك = علوم الملوك من أول ثم تالي
لا نيب لا بايع ولاني بمهديك = وأنا اللي أستاهل هدو كل غالي
وانتي من الثلث المحرم ولا أعطيك = وأنتي بها الدنيا شريدة حلالي
ياما حلا خطوى القلاعة تباريك = أفرح بها قلب الصديق الموالي
وياما حلا زين الندى من مواطيك = في عثعثٍ توه من الوسم سالي
وياحلو شمشولٍ من البدو يتليك = بقفر به الجازي تربي الغزالي
الخير كله نابتٍ في نواصيك = وأدله ليا راعيت زولك قبالي
بالضيق لوجيه المداريع نثنيك = وعجله وريضة خلاف التوالي
حقك علي أني من البر أبديك = وعلى بدنك الجوخ أحطه جلالي
أبيه عن برد المشاتي يدفيك = وبالقيظ أحطك في نعيم الظلالي
يا نافدا اللي حصلك من مجانيك = جابك عقاب الخيل ذيب العيالي
جابك صبي الجود من كف راعيك = في ساعةٍ تذهل عقول الرجالي
يا سابقي نبي نبعد مشاحيك = والبعد سلم مكرمين السبالي
يم الجنوب وديرته ننتحي فيك = لربعٍ من الأوناس قفرٍ وخالي

وبعد أن قال هذه القصيده رحل الى الربع الخالي كما ذكر في القصيدة ، وابتعد عن الأمير أبن
سعود ومحمد بن رشيد لئلا يأخذا جواد أبنه قسراً ، وعاد بعد أن أطمأن على جواد أبنه ، وبهذه الفتره بدأ يلمع نجم ذيب الخيل أبن شالح ، فأخذت الأنظار تتجه الى الفارس الشاب ، وزادت أخبار شجاعته أنتشاراً ، وأخذ الناس يتحدثون عنه ، وكان ذيب يسأل أباه ورجال الحي من قبيلة الخنافرة عن مصدر الخطر الذي يتوقعونه ومن أي جهة يمكن للعدو أن يفاجئنا منها ؟ فيقولون له من ناحية قبيلة عتيبه ، من الناحية الشمالية ، حيث تكون قبيلة عتيبه شمالاً عن الجهات التي تقطنها قبيلة قحطان ، فيقول ذيب لراعي أبله : أذهب بأبلي الى الشمال أي الى ناحية الخطر الذي يمكن أن يكون من قبيلة عتيبه ، ويتفوه بفخر وأعتزاز قائلا : سأحمي أبلي وأبل قبيلة الخنافرة من أي غاز كائناً من كان ، سواء من قبيلة عتيبة أو من غيرها 00 فتذهب أبله وترجع سالمه ، ولا يمكن لأحد أن يتجرأ عليها مادام ذيب موجوداً عندها 0 ومما قيل عن شالح والد ذيب أنه اذا جلس في مجلسه وحوله رجال القبيلة ينادي أبنه ذيب فيأتيه الأبن البار المطيع مسرعاً ، ثم يقبله الأب الطيب كأنه طفل صغير ، وبعدما يقبله ينفجر باكياً ، وقد لامه قومه مراراً قائلين له : كيف تقبل ذيب بين الرجال كأنه طفل ثم تبكي ؟ فيجيبهم : دعوني أقبل ذيباَ وأبكي عليه وأودعه كل يوم ، لأنني أتخيل أن الدنيا ستحرمني منه ، لأن من كان يخوض غمار الحروب الطاحنة ويندفع مثل أندفاع ذيب المعركة لا يمكن أن يكون من أصحاب الأعمار الطويلة ولابد أن تختطفه يد المنون0 ثم قال قصيدته المشهورة :



ما ذكر به حي بكى حي يا ذيب = واليوم أنا بابكيك لو كنت حيا
وياذيب يبكونك هل الفطر الشيب = أن لا يعتهم مثل خيل المحيا
وتبكيك قطعانٍ عليها الكواليب = وشيال حمل اللي يبون الكفيا
وتبكيك وضحٍ علقوها دباديب = أن رددت من يمة الخوف عيا
ويبكيك من صكت عليه المغاليب = ان صاح باعلى الصوت ياهل الحميا
تنزل بك الحزم المطرف لياهيب = ان رددوهن ناقلين العصيا
انا اشهد انك بيننا منقع الطيب = والطيب عسرٍ مطلبه ما تهيا

ويلاحظ القارئ بيتاً من قصيدة أبيه حيث يقول :



تبكيك وضحٍ علقوها دباديب = أن رددت عن يمة الخوف عيا

فالواضح هي أبل ذيب بن هدلان ، ولونها أبيض ويسمونها الوضح ، أما الدباديب فهي شئ من الزينة يضعونه على سنام كل حائل من الأبل ، لقد زادته قصيدة أبيه شهرة في نجد ، وسارت بها وبأشعاره الأخرى الركبان ، وبعد أن أستفاض ذكر ذيب في نجد ، أخذت الغزاة يتحاشون الغارة على قبيلة الخنافرة خوفاً من ذيب حتى أن الأمير محمد بن هندي بن حميد قال لفرسان قبيلة عتيبة
أنا أوصيكم بأنكم اذا أغرتم على أبل العدو وسمعتم عندها من يعتزي بقوله : خيال البلها وأنل أبن دراج فلا تطمعوا بالأبل أنجوا بأنفسكم ، لأن هذه هي نخوة قبيلة الخنافرة من قحطان ، التي هي قبيلة ذيب بن هدلان ،وهذا دليل واضح بأن ذيب حامٍ لقبيلته ، مثل ما كان عنترة العبسي حامياً لقبيلة بني عبس 0



ويقال أن الملك عبدالعزيز (طيب الله ثراه ) أغارت فرسانه على شالح بن هدلان ولم يعرف أن هذه أبل شالح ، وأبنه ذيب ، وكان فرسان الملك عبدالعزيز يعدون بالمئات ، أغارت هذه الفرسان على ظعينة شالح وأبنه ولم يكن حاضراً من القبيلة سوى ذيب ووالده وأخوته ، فأخذ ذيب يصد الخيل ببسالة متناهية بل وشجاعة فذة ، وقد أغارت عليه الخيل قبل بزوغ الشمس ، وأخذ ذيب يدافع عن ظعن أبيه وأبله000 الى بعد صلاة العصر ، وهزم الخيل ، بعد أن قتل الأمير فهد بن جلوي ، أبن عم الملك عبدالعزيز ، الشجاع المعروف ، والأمير فهد بن جلوي هو صاحب
( الشلفا ) التي حربتها لا زالت في باب قصر عجلان المسمى ( المصمك ) بمدينة الرياض ، في اليوم الذي هاجم فيه الملك عبدالعزيز قوة بن رشيد التي بالقصر المذكور 0
وأيضاً رمى ذيب بالأمير تركي بن عبدالله آل سعود أبن عم الملك عبدالعزيز رمى به على الأرض وجرحه بجنبه ، وجندل معه تسعة من الفرسان ، وكان ذيب في أوج المعركة يأمر رعيان أبله بأن لا يصلفوا بهجيجهم لئلا يتأثر أبوه ، وكان أبوه طاعناً في السن 0
تخلص ذيب من فرسان الملك عبدالعزيز بفروسية لا يضاهيها أية فروسية ، فمن الذي يستطيع أن يحمي نفسه من فرسان الملك عبدالعزيز منفرداً حمى ظعينة أبيه بقوة ساعده ، وبضرباته الهائلة ، لا شك أن هذه المعجزة تجلت بصحراء نجد ، سجلها شاب من قبيلة قحطان ، القبيلة العريقة ، لقد نشأ هذا الشاب وترعرع بصحراء نجد القاسية ، وسجل هذه المفخرة وعمره لا يتجاوز الثانية والعشرين سنة ، على أول طرة شاربه ، لا شك أنه ينطبق على هذا الشاب بيت عنترة العبسي حيث يقول :



خلقت من حديد أشد قلباً = وقد بلى الحديد وما بليت


وعندما رجعت خيول الملك عبدالعزيز التي أغارت بدون علمه وأخبره رجالها أنهم رجعوا تحت ضربات ذيب الهائلة ، تأسف الملك عبدالعزيز وقال : لو عرفت أن الظعينة هي ظعينة شالح بن هدلان لأمرتهم بالرجوع عنها ، لأنه شخص طيب ، ولا أحب أن أفاجئه هو وأبناؤه عند محارمهم وعند أبلهم ، وأرسل الى شالح كتاباً يقول فيه : أنني قد عفوت عنه ، وله الأمان ، وعليه أن يرجع بالسمع والطاعة ، فرجع شالح بعد أن أمنه الملك عبدالعزيز وحماه ، وحذر أقاربه من آل سعود بأن لا يفكروا بأخذ الثار من ذيب بن شالح ، وسمح لذيب أن يأتي ويسلم عليه وفعلاً حماه وأكرمه ، ولم يمس بسوء ، وقال الملك عبدالعزيز : أنني كنت أود أن أرى هذا الشاب العجيب ، ولا شك أنه دافع عن والده ، وعن محارمه وأبله ، وكان مظلوماً 0 هذه عبقرية الملك عبدالعزيز ، لقد عفا عن ذيب قاتل أبناء عمه ، وهازم فرسانه ، نعم عفا عنه وقال : أنه مظلوم ، مظلوم ، لأنه لم يبدر منه أي ذنب يستحق التأديب عليه 0 ان الملك كان منصفاً ، فهو يقول الحق ولو كان على نفسه ، ويعترف بالفضيلة ويسعى اليها ، لا شك أن عبدالعزيز عظيم ، ويعفو عن العظائم ، لقد ضرب مثلاً رائعاً للعفو ، ولا شك أن ما قاله أبو الطيب المتنبي يتطبق على الملك عبدالعزيز :



على قدر أهل العزم تأتي العزائم = وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها = وتصغر في عين العظيم العظائم


وقد أكد لي بعض الحاضرين أن الملك عندما أغارت خيله على شالح وأولاده ، ما كان عنده علم
بهم ، بل يظن أنهم من الأعداء الأخرين 0 وعندما أنتهت المعركه بين ذيب وفرسان الملك عبدالعزيز ، أناخ ذيب ظعينة أبيه وقبله بين عينيه ، وهنأه بالنصر ، وقال له الوالد الطيب : هذا بمشيئة الله ثم بساعدك ياذيب ، بارك الله فيك ، وأسأل الله أن لا يفجعني بك ، وأخذ شالح ينشد أبياتاً قائلاً : انك يا عبدالعزيز أفرحت علينا أعدائنا ، قاصداً قبيلة عتيبة ، لأنه يشعر أنهم هم أعداؤه وأعداء قبيلة قحطان ، لأن الحروب كانت بينهم مستمره آنذاك ، والأبيات هي :



ياشيخ فرحتوا علينا العداة = اللي بذمة حكمكم ما يدارون
غرتوا علينا الفجر قبل الصلاة = وحنا عددنا خمسةٍ أو بعد دون
من صلب أبوي وباللوازم شفاة = ماهم فريق هديهدٍ يوم يأتون
يانا فدا اللي ما يضيع وصاتي = ما يسند الا عقب طاعن ومطعون
سو على ركابة المكرمات = وبظهورهن يروي شبا كل مسنون
ويلكد ملاكيد العديم الزناة = وياويلكم يللي بوجهه تقيفون
خلي عشا للجوع الحايمات = من فعل ذيب أهل الرمك عنه يقفون
وياشيخ لا تسمع كلام العداة = أسفه كلام المبغضه لو يقولون
أطلب لحكمك بالسعد والثبات = بجاه معبود لبيته يحجون
لعل ما يبكنك النايحات = ياللي على عورات أهل نجد مامون
ولم ينسى ذيب الأبن البار أباه ، فعندما حط رحالهم بعد المعركة ، عمد الى أبله وعقر حائلاً منها وأخذ يشوي من طيب لحمها لأبيه ، ولجاره الدوسري ، ويقدمه لهما وهما يحتسيان القهوة ، وكان
هذا الدوسري صديقاً لشالح بن هدلان منذ عهد بعيد ، وكان شالح لايحب أن يفارقه ، والصداقه بينهما قوية الروابط ، وفي أثناء المعركة ، عندما يكر فرسان الملك عبدالعزيز على ذيب يصيح شالح بأعلى صوته وينادي أخيه الفديع ، الذي مضى على وفاته أكثر من عشرين سنة ، وينخاه ولم يتكلم عن ذيب ، وفروسيته الفذه ، وعندما أنتهت المعركة جعل الدوسري يلوم شالحاً ويقول له : كيف تنخى أخاك وهو ميت منذ عشرين سنة ولا تنخى أبنك الذي أبلى بلاء حسناً ، وهزم خيول الملك عبدالعزيز ؟ فيجيبه شالح قائلاً : أن ذيب حتى الأن لم يلحق ما لحقه عمه من الشجاعة ، لذلك فأنا سأبقى ذاكراً أخي الفديع في كل ملمة الى أن أقنع بشجاعة أبني ذيب ، ويثبت لي أنه أكفا من عمه ، هذا ما يقوله شالح 0 أما أنا فأقول للقارئ : ان الذي دافع عن ظعينته وأبله وحماها من فرسان الملك عبدالعزيز أنه لا يعادله أي فارس من الفرسان في زمانه 0

عساف دخنان
24/04/08, (04:41 PM)
وهنا يطيب لي أن أذكر طرفاً من بر ذيب بوالده : ان بر ذيب بوالده شالح لم يسبقه أحد اليه ، ولابد أن القارئ قد عرف أن ذيباً قد ذبح لأبيه حائلاً ليشوي من لحمها له ، ولم يثنه عن ذلك عناء المعركة وما لحقه من الأجهاد ، والآن أحدث القارئ عن سيرته التي أستقيتها من المعاصرين لذيب ، كان ذيب لا ينام أبداً وأبوه لم ينم ، وكان يجلب لأبيه الحليب من الأبل وعندما يأتي به اليه ويجده نائماً يبقى واقفاً وواضعاً الاناء على يده وربما حام حول أبيه وذكر الله بصوت منخفض
الى أن يستيقظ أبوه ، ثم يقبل جبينه ، ويناوله الحليب ، ولا يرضى أحد غيره يقدم أي شي من الغذاء بل هو المسئول الوحيد عن تقديم طعام ابيه وخدمته ، ويقال أنه عندما يرحل الظعن يركب مطيته ويذهب أمام ظعينة أبيه ، وعندما يصل الجهة القابلة للمنزل يصطاد من الغزلان أو من الأرانب أو من الحباري ثم يعده لأبيه قبل أن يصل وكذلك يعد له القهوة ، وكان دائماً يحمل أنية طعام أبيه وآنية القهوة على راحلته وعندما يقبل الظعن يستقبل أباه ويهلي ويرحب به كأنه ضيف عزيز عليه ، ويمسك بخطام راحلته وينيخها عند محل جلوسه المعد مسبقاً ، وعندما يترجل والده يقبل جبينه ثم يجلسه تحت ظل شجرة قد أختارها ، واذا لم يجد شجرة يقال أنه يعمل مظلة من الأعشاب لتظل أباه من حرارة الشمس ، الى أن يعدوا بيوتهم ، وعندما يجلس شالح يقدم له أبنه القهوة وبعدها يقدم له لحم الصيد ويقول لأبيه بهذه اللهجة تناول يا أبن هدلان حياك الله فيجيب شالح أبنه : بارك الله فيك ياذيب ،
وذات يوم لم يصطد من الصيد شيئاَ ، وقد أقبل أبوه يتقدم الظعينة ، وبقي ذيب حائراً متحسراً بماذا يقابل أباه وأخيراً أستقر رأيه على أن ينحر مطيته ( الأصيل ) التي يعادل ثمنها خمساً من الأبل ، وفعلاً أخفاها بين الشجر لئلا يراها والده ونحرها ، وأخذ من طيب لحمها وطهاه بالاناء الذي عاده يقدم به لحم الصيد لوالده ،وعندما وصل شالح وأستقبله أبنه كعادته قدم له الأكل ، بعد أن صب له من القهوة ، وعندما تصاعدت رائحة لحم البعير عرف شالح أن هذا ليس بلحم صيد ، فقال لأبنه : ماهذا يا ذيب ؟ قال ذيب : ( شبب يابه ) وهذه لغة قحطان ،أي أن هذا رزق من الله يا أبت ، فكرر أبوه السؤال وكرر الأبن الأجابة ثم عرف الوالد النتيجة فقال لأبنه : ذبحتها يا ذيب
فقال ذيب : هي تفديك يا أعز والد وعوضها سيكون من حلال القوم آتي به اليك ، ثم قال لأبيه : أنا لا أستطيع أن أستقبلك مالم أقدم لك شيئاً من الأكل ، وأقسمت على نفسي أن أستمر على هذه الحالة الى أن يتوفاني الله ، فتأوه والده ثلاث مرات وقال : يا لهفي بعد فرقاك يا ذيب ،
لقد أشتهر ذيب ببره لوالديه ، ووفائه مع أصدقائه ، وعطفه على جيرانه ، وكرمه الحاتمي ،
وذات ليلة كان هو ووالده ساهرين ، وكان والده يداعبه ويلقي عليه بعض الأشعار
فأنشد عليه هذه الأبيات :



ياذيب أنا يا بوك حالي تردى = وأنا عليك من المواجيب يا ذيب
تكسب لي اللي لا قح عقب عدا = طويلة النسنوس حرشا عراقيب
تجر ذيل مثل حبل المعدا = وتبرى لحيرانٍ صغارٍ حباحيب
وأشري لك اللي ركضها ما تقدا = ما حدٍ لقى فيها عيوب وعذاريب
قبا على خيل المعادي تحدى = مثل الفهد توثب عليهم تواثيب
أنا أشهد أنك باللوازم تسدا = وعز الله أنك خيرة الربع بالطيب
ياللي على ذيب السرايا تعدا = لو حال من دونه عيال معاطيب
ليثٍ على درب المراجل مقدى = ما فيك يا ذيب السبايا عذاريب
وبعد أن قال والده هذه الأبيات بطريقة المزاح أسرها الأبن ذيب في نفسه ، وعندما نام والده وأطمأن ذيب أنه قد أخذ في النوم ، ذهب خفية وركب قلوصه ، وذهب لبعض أصحابه من الشبان وأمر عليهم أن يرافقوه ، فشدوا مطاياهم وركبوا مع ذيب ، وعددهم لا يتجاوز خمسة عشر شاباً وكلهم يأتمرون بأمر ذيب ، وبعد ذلك سألوا ذيب الى أين نحن ذاهبون ؟ فقال : الى ديار القوم ، وأشار الى قبيلة عتيبة لنكسب منهم أبلاً لأهلنا ، وقال : لا بد أن آتي لوالدي من خيار أبل عتيبة ، وأستمروا بسيرهم ، وبعد ثلاثة أيام قصدوا بئراً في ديار عتيبة ليستقوا منها الماء ، ويسقوا رواحلهم ، وهذا البئر يسمى ( ملية ) وهو يقع غرباً عن جبل ذهلان ، بأواسط نجد ، وعندما أنحدروا عليه من جبل يطل عليه ، رأوا عليه ورد من عتيبة يستقون ، فأراد ذيب ورفاقه أن
يرجعوا لئلا يروهم فينذروا القبيلة بهم ، وكان من السقاة صياد أخذ بندقيته وتوجه الى الوادي الذي أنحدر منه ذيب ورفاقه باحثاً عن الصيد ، وعندما رأى ذيباً وجماعته أختفى تحت شجرة وأطلق عليهم عياراً نارياً ، فأراد الله أن تصيب ذيب أصابة مميته ،
لقد حلت الكارثة الكبرى على الشيخ الطاعن بالسن شالح بن هدلان ، أنه فقد كل أمل في الحياة ، فقد كل ركن على وجه الأرض ، فقد الشجاعة الفذة ، فقد الكرم الحاتمي ، فقد الأبن البار ، فقد الأبن المطيع ، لقد خر ذيب صريعاً وودع الخيل وصهيلها ، وودع الأبل وحنينها ، وودع أباه الذي هو بحاجة الى بره وعنايته ، ترك ذيب شالحاً حزيناً ، وودع ذيب قحطان المجيدة ، وودع سنانه ورمحه وبندقيته ، ونقع الخيل وهزج الأبطال ، ودع ذيب نجداً العزيزة ورياضها ، وودع غزلان الريم والأرانب وطيور الحباري التي كان يصطاد منها لوالده ، لقد أنقشعت هالة الفضل التي كانت تحيط الشيخ شالح بالحنان والبر والفضيلة التي ضربت أروع مثلاً بين الأبناء والأباء ، بعدما سقط ذيب على الأرض أناخ رفاقه مطاياهم وتسابقوا اليه وضموه على صدورهم ، فوجدوه جسماً بلا حياة ، وأنهالوا عليه بالقبل ، وودعوه بدموعهم الساخنة ، ثم وضعوه بكهف بجانب الوادي ، وقفوا راجعين الى أهليهم ،
أما الصياد الذي أطلق النار على ذيب فقد ظل مختبئاً تحت الشجرة ، الى أن رأى الركب قد ولى فأتى الى مكانهم ووجد الدم يلطخه ، ثم عمد الى ذيب وهو بكهفه ، وعندما رآه وجده شاباً وسيم الطلعة ، وفي خنصره الأيمن خاتم فضي ، وكانت رائحة الطيب تعج منه ، وكان لباسه يدل على أنه شخصية بارزة فرجع الى جماعته الذين يستقون من البئر ، فسألوه عن الرمية التي سمعوها عنده ، فقال أن ركباً من الأعداء أنحدروا من الوادي وبعد أن رأوكم نكصوا راجعين فأطلقت عليهم عياراً نارياً قتل منهم شخصاً تبين لي أنه زعيمهم ، وقد وضعوه في كهف بجانب الوادي ، فقالوا ما دلك على أنه زعيم ؟ فبين لهم أوصافه ولباسه الذي عليه ، وأن في خنصره خاتماً فضياً فقالوا : هيا بنا لنراه ، وكانوا من قبيلة برقا أحد جذمى عتيبة ، وكان معهم فتاة فد جلا أهلها منذ سنة الى قبائل قحطان لأسباب حادثة وقعت بينهم وبين بعض قبائلهم من عتيبة ، وعندما رأوا ذيب بالكهف ورأته الفتاة صاحت بأعلى صوتها وقالت : ويحك هذا ذيب بن شالح بن هدلان الذي كنا بجواره بالعام الماضي ، فشتموها وقالوا ربما أن بينك وبينه صداقة ولهذا السبب صحتِ بأعلى صوتك ، فقالت : لا والله لم يكن بيني وبينه أي شي من هذا ، ولكن أكرمنا وأعزنا وأجارنا وكان لا يأتي من الفلا الا ومعه صيد ويأتي بقسمنا نحن جيرانه حامله بيده ، وعندما يقترب من بيوتنا يغض نظره الى الأرض ثم يضع ماجاء به من الصيد ويدبر دون أن يرفع طرفه بأمرأة من جيرانه ، وهذه طريقته بالحياة ، وعليكم أن تسألوا عن خصاله ، وينبئكم عن ذلك من عرفه ، فهو بعيد كل البعد عن الرذيلة ،
ما أكبر المصاب على شالح ، لما وصل رفاق ذيب وأخبروه بما حدث ، لاشك أن خطب شالح عظيم ، وأن وقع نبأ مصرع أبنه على قلبه أشد وأنكى من طعن الحراب ، ولا شك أنه سيجرع ويلات الحزن ومرارته ، ومآسي الفراق ولوعاته 00



واذا المنية أنشبت أظافرها = ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع

أنها كارثة كبرى ، ليست على شالح فقط ، بل على عائلة آل هدلان وعلى قبيلة الخنافرة وعلى قبيلة قحطان الكبرى ، وقد قال شالح أشعاراً كثيرة بعد وفاة أبنه ، وأول ما قال هذه القصيدة :





يا ربعنا ياللي على الفطر الشيب = عز الله أنه ضاع منكم وداعه
رحتوا على الطوعات مثل العياسيب = وجيتوا وخليتوا لقلبي يضاعة
خليتوا النادر بدار الأجانيب = وضاقت بي الأفاق عقب أتساعه
تكدرن لي صافيات المشاريب = وبالعون شفت الذل عقب الشجاعة
يا ذيب أنا بوصيك لا تأكل الذيب = كم ليلةٍ عشاك عقب المجاعة
كم ليلةٍ عشاك حرش العراقيب = وكم شيخ قومٍ كزته لك ذراعه
كفه بعدوانه شنيع المضاريب = ويسقي عدوه بالوغى سم ساعه
ويضحك ليا صكت عليه المغاليب = ويلكد على جمع العدو باندفاعه
وبيته لجيرانه يشيد على الطيب = وللضيف يبني في طويل الرقاعه
جرحي عطيب ولا بقى لي مقاضيب = وأفخت حبل الوصل عقب أنقطاعه
كني بعد فقده بحامي اللواهيب = وكني غريب الدار مالي جماعه
من عقب ذيب الخيل عرج مهاليب = ياهل الرمك ما عاد فيهن طماعه
قالوا تطيب وقلت وش لون أبا طيب = وطلبت من عند الكريم الشفاعه
وأردفها بهذه القصيدة وعلى نفس البحر والقافية ، وقد رويتها عن الأمير عمر بن سلطان أبا العلا وأكد لي أنه رواها عن والده سلطان الذي عاصر شالح وأبنه ذيب ، وبهذه القصيدة الأخيره لم يخف آلامه ولواعجه ، فجاوب الذئاب بعويلها ، ثم رجع الى خالقه وطلب منه الفرج ، ثم لام نفسه وأعترف بأنه هو السبب بتحريض أبنه على غزوته المشؤومه ، وبعد ذلك عزى نفسه بركوبه الهجن ، وأنه يتقدم بها على أعدائه حتى ينيخها على مقربة من بيوت الكبار ، ويتخطى الأطناب ، ويكسب الناقه الحائل التي تهاوي الجمل ، وتجعل منه خليلاً لها ، وأخيراً أخذ يوصي جماعته بأن يختاروا ( المناسب ) الطيبة ليأتيهم أولاد طيبون نجباء وقال لهم : ان الردي تأتي بولد لا يهمه أكثر من نفسه ، وأن يشبع بطنه ، ردي الهمه ميت الأنفه ، تافه الشخصية ،
وهذه هي القصيدة :



ذيب عوى وأنا على صوته أجيب = ومن ونتي جضَت ضواري سباعه
عز الله أني جاهل ما أعلم الغيب = والغيب يعلم به حفيظ الوداعه
يالله يا رزاق عكف المخاليب = يا محصي خلقه ببحره وقاعه
تفرج لمن صابه جروح معاطيب = وقلبه من اللوعات غادٍ ولاعه
ان ضاق صدري لذت فوق المصاليب = مانيب من يشمت فعايل ذراعه
صار السبب مني على منقع الطيب = ونجمي طمن بالقاع عقب أرتفاعه
يا طول ما هجيتهن مع لواهيب = ولاني بداري كسرها من ضلاعه
ويا طول ما نوختها تصرخ النيب = وزن البيوت اللي كبار رباعه
وأضوي عليهم كنهم لي معازيب = اليا رمى زين الوسايد قناعه
أضوي عليهم وأتخطى الأطانيب = وآخذ مهاوية الجمل باندفاعه
أبا أنذر اللي من ربوعي يبا الطيب = لا ياخذ الا من بيوت الشجاعة
يجي ولدها مذرب كنه الذيب = عز لبوه وكل ما قال طاعه
وبنت الردي يأتي ولدها كما الهيب = غبنٍ لبوه وفاشله بالجماعة
ياكبر زوله عند بيت المعازيب = متحري متى يقدم متاعه وبقي شالح حزيناً كظيماً يسهر أيامه ولياليه ، ولا يفارق نار قهوته ، وذات ليلة وهو ساهر مع أحزانه ، كان شخص من قحطان يسمى الهويدي قد ضاع صقره ، وأخذ يبحث عنه بالليل ويسأل رافعاً صوته كلما مر بنار قطين منادياً ( من عين الطير ) فعرفه شالح وسكت عنه أول مرة ، ثم عاد اليه مرة ثانية ماراً ببيته ، بعد أن مر بنيران الحي وسأل عن طيره ، ثم أستمر بسؤاله ماراً بكل نار يراها ، وعاد لشالح للمره الثالثه فناداه شالح والهويدي لا يعرف أن النار هي نار شالح ، وعندما دعاه لكز هجينه بعقب رجله وجاء مسرعاً ظناً منه أن المنادي سيبشره بصقره ، وعندما أناخ هجينه وأقترب من المنادي ، تبين له أنه الأمير شالح بن هدلان والد ذيب ، الذي لا زال يصارع أحزانه ، فأعتذر الهويدي لشالح ، وأقسم له بالله أنه لا يعرف أن هذه النار هي ناره ، ثم قبل جبينه معتذراً وطالباً السماح ، فأذن له بالجلوس من حوله ، وأخذ شالح يصب له القهوة ، ثم قال هذه الأبيات :



أن كان تنشد يالهويدي عن الطير = الطير والله يالهويدي غدا لي
طيري عذاب معسكرات المسامير = أن خل عند قطيهن الجفالي
أن جا نهار فيه شر بلا خير = وغدا لهن عند الطريح أجتوالي
ان دبرن خيل وخيلٍ مناحير = وغدن مثل مخزمات الجمالي
على الرمك صيده عيالٍ مناعير = وشره على نشر الحريب الموالي
يضحك ليا صكت عليه الطوابير = طير السعد قلبه من الخوف خالي
خيالنا وان عرجدن المظاهير = وزيزوم عيراتٍ طواها الحيالي
غيثٍ لنا وان جت ليالي المعاسير = وبالشح ريفٍ للضعوف الهزالي
يسقي ثراه من الروايح مزابير = تمطر على قبرٍ سكن فيه غالي
لا شك أن طير شالح يصيد أفذاذ الرجال ، كما قاله في أشعاره ، اما طير الهويدي فهو لا يصيد الا الأرانب والكروان ،
رحم الله شالحاً وأبنه ذيباً ، لأنهما سجلا مفاخر قيمة لكل من يقطن نجد ،، أننا نودعهما بالرحمة ودعوات الغفران ، ونشيعهما بما يشيع الأبطال المغاوير ، الذين أبقوا لهم ذكراً في الآخرين ، شجاعة وكرماً وشمماً وطيب أحدثوه .

عساف دخنان
24/04/08, (04:44 PM)
رابعاً : محدى الهبداني



نسبه – حياته – فروسيته – شخصيته القوية – طموحه – شعره وهجائه لقومه – أبتعاده عن قومه ولد سليمان – غارته على الشوايا – حربه مع بن قعيشيش – لجوؤه لأبن سمير – شعره فيه – أنتقاله الى أبن مهيد وآل غبين – صلته بالسيد حجو وتأليبه اياه – ثورة السيد حجو – الشعرفي ذلك – رحيله الى الشيخ عبدالكريم الجربا واكرام الجربا له – قصته مع الشمري في مجلس الجربا – وفاء عبدالكريم معه وعدوله عن مهاجمة قوم محدى من اجله – عودته لجدعان بن مهيد بدعوه منه ورجاء للعودة – انابته – حجه ......الخ


هو محدى بن فيصل الهبداني عاش الى تاريخ 1300 هجرية تقريباً ، وهو من قبيلة الفضيل التي يرأسها الشيخ أبن رشدان وهي فخذ من أفخاذ قبيلة الجعافرة من ولد سليمان ( من ضنا عبيد )
من بشر ، وبشر هو أبن عناز بن وايل وهو شقبق مسلم بن عناز الذي تتفرع منه قبيلة
( ضنا مسلم ) ، نشأ هذا الشاعر وترعرع بين قبيلة ولد سليمان المشهورين بالشجاعة ، وكثرة العدد ، شيخها العواجي وعائلته ، والعواجية لا زالوا هم شيوخ هذه القبيلة ، نشأ في وقت التطاحن بين قبيلته والقبائل المحيطه بها ، وأمه ( ذكر ) بنت مشل العواجي الفارس المشهور ، ووالده فيصل الهبداني ليس مرموقاً بين أفراد هذه القبيلة ، ولكن أبنه ( محدى ) نشأ ثائراً وذكياً وطموحاً ، يطمع بالزعامه ، ولكنه لم يلق مجالاً لزعامته مع وجود أخواله الأبطال العواجيه ، وبعد أن لاحظ أخواله طموحه وتدخله بالقبيله وتحريضه لهم وترفعه عن مسلك أبيه ضغطوا عليه ، لهذا لم يستطع أن يبرز بينهم ، وضاقت به الأرض بما رحبت ، أخذ يتألم ويقول الشعر محرضاً أقاربه من آل فضيل وهاجياً لهم أحياناً ، وقال قصائد كثيرة بهذا المعنى ، لم أعرف منها سوى القليل ومنها :



هنيكم ياهل القلوب المريحة = يالدالهين على بركة الله
هنيكم بقلوبكم مستريحة = وياليت قلبي كل ماجاه ينساه
ينسى هواجيس الضمير المشيحة = ويرضى على غوال حلقه الى أرخاه
خطو الولد يرضى العلوم القبيحة = ويقفي ويقبل كالهنوف المرضاه
وانا دليلي ما يطيع النصيحة = يا ناس عياني دليلي وأنا أنهاه

ثم قال هاجياً قومه :



يا فضيل يا قلوب الغنم ما تحامون = يا ليتها والله تحسن لحاكم
يا طولكم يا عرضكم يوم تاتون = يا قل حمراكم على من بغاكم
اليا اجتمعتوا للمراجل تذيبون = والناس عرفوا طيبكم من رداكم
الكل منكم دائماً يتبع الهون = يا لعن أبوكم كيف توخذ نساكم
ترضون بالذله عساكم تهبون = واشوف بالرجلين كل ٍ وطاكم
يا فضيل بالورور بغيتوا تباعون = ويلقى المذله خائف وان نصاكم


ثم قال هذه القصيدة متبرئاً من قومه :



ليتني من الصلبان والأصل ما بيه = لا سايل عني ولاني بسايل
أقعد على مقرٍ خفيٍ مواريه = برهراهةٍ ما ياصله كود حايل
من الوسم رويان مع الصيف مطغيه = تلقى الخصاب مكومٍ للزمايل
ألوذ عن دحشٍ كبارٍ علابيه = يهوش كنه باشةٍ للقبايل
متباركين بالمولد بني خيه = على النزول يكثرون الضوايل
أنا أن بغيت الصبر قلت مشاحيه = ونفسي عيوف ولا رضيت الفشايل
نويت أهوم وكافل العبد واليه = والبعد طب للقلوب الغلايل


فاجابته أمه (ذكر) أخت مشل العواجي بالقصيده الآتيه :



أشوف سلم أبليس (محدى) يسويه = يلعب على ظهر اللعين القوايل
عزي لنزلٍ قام (محدى) يشظيه = لعب بكم يا ذاهبين الحمايل
مطاوعٍ لبليس وبليس مغويه = لا تتبعونه يا القلوب الهبايل
هذا جزا خالٍ يعزه ويغليه = لا واحسايف قولةٍ : يا بن وايل

لقد قرر محدى أن يبتعد عن أخواله ، وعن قبيلة ( ولد سليمان ) ورحل من نجد مع قسم من قبيلته آل فضيل الذين ألتفوا حوله ، أتجه الى قبيلة الفدعان من عنزة ، لأن الفدعان أقرب قبائل عنزة لولد سليمان ودخل الأراضي السورية وقد أنشأ هذه القصيدة :


يا راكب سربالةٍ تقطع البيد = حمرا ولا فوقه رديفٍ محنها
أول نهاره خل مشيه تفاديد = وفهق الى البردين عقبيك عنها
مثل النعامه يوم تقفي مع الحيد = أو تقل شيهانٍ دنا الليل منها
تلفي لمن جيشه سواة المعاويد = كم عزبةٍ ذوق ربوعه لبنها
يا خال ياللي ما بفعلك مناقيد = رفعت ناسٍ ما عرفنا لحنها
لا أكراد لا هم ترك لا سلم أجاويد = يبون يقزون العرب عن وطنها
يا خال لولا نصف ربعي لهاميد = أن كان جاكم صادق العلم منها
أخترت عن دار المهونات بالبيد = وخليت دار الذل للي سكنها
دارٍ بدار ولا علينا تحاديد = وأرزاقنا رب الخلايق ضمنها
نروح عن دار العنا للاجاويد = لا هل بيوتٍ من تجلوى زبنها
عيال الغبين المنتخين المواريد = على ظهور الخيل يذكر طعنها
ان جاء نهارٍ فيه فهق وتوريد = يسنى على كل الموارد شطنها


ولما دخل الأراضي السورية قاصداً آل غبين قال هذه القصيدة :



الله من قلبٍ بدا فيه عمسي = يميع لو باسه حجر قرطياني
يميع ميعة شمعٍ من حر شمسي = والا الشحم من فوق جمر أضهياني
نصبح مكاظيم وبالهم نمسي = وكن الطعام ملوثٍ ديدماني
يا راكبٍ من عندنا فوق عنسي = سحوان قطاع الفيافي عماني
عنسٍ سبرس بالسواد الوغطسي = قطاع دوٍ هوذلي سوسحاني
هزته بعود اللوز من غير لمس = وياما قطع من نازح السهمداني
قطعى قطا ومذيره حس ونسي = من اللال ورد ديرة الريهجاني
فوقه دلالٍ نسج من كل جنسي = القرمزان مخالطٍ بازرقاني
يمد من حفرة خنيصر ويمسي = لأهل بيوتٍ شيدت بالبياني
ياما عطوا من سابقٍ قود خمسي = غبينات يعطونه ولا به مثاني
وان صار بالفرسان طعنٍ وغمسي = ما مثلهم يركب بنات الحصاني

وفي أثناء طريقه هو ومن معه من قبيلة آل فضيل ، صادفوا قبائل من ( الشوايا ) الذين يربون الأغنام ، في حماية الشيخ أبن قعيشيش ، يأخذ عليهم الأتاوه ويتكفل بحمايتهم من نائبات الزمن ، وعندما رآهم محدى الهبداني وجماعته أرادوا نهب أموالهم لضعفهم ، فأغاروا عليهم وأخذوا أموالهم ومواشيهم ، وعندما علم الشيخ ابن قعيشيش شيخ الخرصة من الفدعان ثارت ثائرته وأغار على محدى الهبداني وجماعته بفرسانه ورجاله وقصدهم تخليص الغنائم التي أخذوها من الشويان ، ولكن محدى وجماعته أبوا أن يسلموا ما غنموا فحصلت معركة بينهم وبين ابن قعيشيش هزم فيها ابن قعيشيش هو وقومه ، ثم أنحرف محدى الهبداني عن قبيلة الغبين ، لأن الغبين أقارب قبيلة ابن قعيشيش والجميع من قبيلة الفدعان من بشر الكبيرة ، واتجه محدى وقومه الى الشيخ محمد بن سمير الذي هو من قبيلة ( ضنا مسلم ) بن عناز ، وقبل أن يصل الى الشيخ أبن سمير أرسل اليه هذه القصيدة موضحاً فيها المعركة التي حصلت :



يا راكبين مقولمات الخفافي = ما دنقوا عن الحفا يرقعونه
يلفن أخو خزنه زبون المقافي = اللي بوقت العسر تندى صحونه
الروم جتنا جردةٍ يا السنافي = يبون ستر بيوتنا ينهبونه
صاح الصياح وقال : ما من عوافي = وحتى جواب المنع ما يذكرونه
صكوا علينا ناهضين الشلافي = فزعة وكلً مجرب يزهمونه
وصحنا عليهم صيحةٍ مع كشافي = ولعيون (صيته) جيشهم يسهجونه
الشيخ (ثامر) مرتكٍ تقل غافي = يا حيف سلبت جوخته مع زبونه
( جعافره ) ما يشتهون العوافي = والشر لو هو غايبٍ يحضرونه
وردوا علينا مار صرنا عيافي = مانا هماج وربعنا يملحونه
لا عاد ما ناخذ من الحق وافي = اللي تحلوى الناس ما يرحمونهوأتبع ذلك بقصيدة أخرى طالباً فيها من محمد بن سمير لجوءه اليه وحمايته وهي كالآتي :




دنوا بعيدات المماشي ركابي = عرندساتٍ يقطعن المحاويل
عروات لين أسهيل بين وغابي = حتى غدا فوق الأباهر زهاميل
يرعن من الربلة ورجل الغرابي = با طرافهن تلقى الخزامى تقل نيل
حثوا مناكب جيشكم بالعقابي = قلايصٍ ما لاغمن المخاليل
أن روحن مع سهلةٍ له سرابي = عوصٍ يشادن روس ربد الهراقيل
لمحمد بن سمير ريف التعابي = بدر الدجا نوار عشب الهماليل
لصديقه أحلى من هتوف السحابي = ولعداه مفتول الحديد الزناجيل
يا شيخ لو شال الجمل مثل مابي = أزرا بليهي الرحايل عن الشيل
ويا شيخ من دبت عليه الدوابي = يعاف لذات الونس والتعاليل
أن حط بالغليون مثل الخضابي = وصينيةٍ تلعب بوضح الفناجيل
عده من الأوناس خلو الجنابي = أن لافه الداكوك بالعدل والميل
ويا شيخ يا مدمي لروس الحرابي = جينا لكم يا كاسبين التنافيل
نبي جنابك يا نزيه الجنابي = يوم الرفاقه صار منهم غرابيل

فأجاره محمد بن سمير هو وقبيلته الفضيل ، وحماه من ابن قعيشيش ، ومكث فتره طويلة في جوارأبن سمير ، الى أن عفت عنه قبيلة الفدعان بما فيهم آل قعيشيش والغبين ، بعد أن أرسل هذه القصيدة لجدعان بن مهيد شيخ قبيلة ( الولد ) من الفدعان :



يا راكب حمرا كتومٍ رغاها = ممشى ثمان أيام تطويه مشوار
جدعيةٍ قطع الفيافي مناها =تشدي لشاحوفٍ مع الشط عبار
يا رسل ياللي لايذٍ في قراها = خلك مع أول فجة الصبح نشار
والعصر أبو تركي محاري مساها = لغضى البخيل لغالي الزاد دمار
عيني قزت من نومها وش بلاها = كن النويفج لا يفه عقب ذرار
قزت وقزاها عظايم بلاها = عوجٍ نمضيهن وهن كارهن كار
وكبدي من الرهوند يخلط عشاها = أو تقل يقرض من معاليقها فار
على نجوعٍ فرق الله شظاها = ناخذ بها حق ونذري بها جار
يا مدبر السلقا عليك التقاها = تفرج لعبدٍ تايه الفكر محتار
يوم أخرجوه وقربته قد ملاها = عندك لها ياوالي العرش تدبار
أطلبك نفسي لا تخيب رجاها = ياعالم باحوالها وانت جبار
والروح مني مسعلاتٍ حذاها = حذوه رجل ما قاضبه كود مسمار
نجدٍ يعزي عن غثاها عذاها = لوهي مقر ابليس في ماضي الأذكار
نركض ومن صاد الجرادة شواها = وللنار من عقب من المال دينار

بعد ذلك دعاه شيوخ الفدعان آل غبين وآل مهيد ، فرحل من عند أبن سمير شاكراً له ما لاقاه من حماية واعزاز واكرام ، وتوجه لقبيلة الفدعان لأنه أقرب الناس اليه ، وبقي بين ابن غبين وابن مهيد معززاً مكرماً الى أن حصل بينه وبين أبن غبين بعض الخلاف ، يعود ذلك الى نفسه الطموح ، التي لا تقف عند حد ، فقال القصيدة الآتيه في آل غبين هاجياً لهم :



عساك يا دارٍ بك الحيف تلوين = عسى الولي يسعى لساسك بالاخراب
يسقي جنابك مثل دارٍ بدارين = سهساه رملٍ من سمهلات وتراب
لا عاد ما ناخذ وفا حقنا زين = الا بسل مصقل الهند وحراب
عساك يادار المذلة تخيبين = وعسى الولي يسعى لنزلك بالأذهاب
ناسٍ تشيل البغض ما هم خفيين = القلب فيه الريب لو يضحك الناب
يا حليسس وان ما شفت انا شافٍ شين = أشوف ناسٍ قوم بهدوم الأصحاب
يا حليس صاب القلب ما تنظر العين = شوف البغيض بنونها تقل مشهاب
ان كان ربعك ما لحقك وفيين = مسمارهم يبخص بلا قاز وكلاب
عنهم تنحوا يا قلوب البعارين = في دبرة الخلاق فتاح الأبواب
عن المهونة نجعل النار نارين = نبعد عن الأصحاب لديار الأجناب

عساف دخنان
24/04/08, (04:46 PM)
ثم انحا ز عن ابن غبين كليا إلى جدعان بن مهد ، وبقي صديقاً
حميماً لجدعان بن مهيد ، وكان هناك شخص من شيوخ الفلاحين يدعى
السيد ( حجو ) بن غانم وله قرى كثيرة ، وقبيلة كبيرة ورغم ذلك فهو يدفع أتاوة لجدعان بن مهيد وكان السيد حجو على جانب من القوة بقبيلته كثيرة العدد ، وحصل بينه وبين محدى الهبداني صداقة ، وبعد أن رآى محدى دفع الأتاوه لجدعان بن مهيد ، وهو على هذا الجانب من القوة أبت نفسه الثائرة الا أن يوغر صدر حجو على بن مهيد وقال له : لماذا ترضى هذا الخنوع وهذه الذلة وأنت رجل عربي ، وعندك من العدد والعدة ما يفوق ابن مهيد ، وعندك القصور الشامخه التي تستطيع فيها أن تحمي نفسك بالسلاح وتعز قومك من دفع الأتاوة ، وأتبع كلامه هذه القصيدة :



قولوا لحجو ريف هزل الركايب = عندي لهم عن لمسة الخشم حيله
قصرٍ يشادي نايفات الجذايب = ورصاص قبسٍ مولعٍ له فتيله
والا أصبروا صبر على غير طايب = صبر الجمال اللي ثقلها تشيلهٍ
وألا أزبنوا للروم شقر الشوارب = وفضوا عن الويلان طرقا طويله
ما يترك الهسات لو قال تايب = ما طول مسحون الدوى ما عبي له
أنتم عرب من روس قومٍ عرايب = وش لون ترضون الخنا والرذيله
هذي عليكم يالسنافي غلايب = وش لون ترضون الردى والفشيله
من مالكم يوخذ خراف وحلايب = يا خونكم يا كسبين النفيله
لو هم بني عمي ولو هم قرايب = ممشي الخطا نشوف به كل عيله

بعد ذلك ثار السيد ( حجو ) وأعد عدته ، وأطلق النار على رسل جدعان بن مهيد اللذين جاؤوا ليأخذوا الأتاوة ، ورفض أن يستجيب لمطلب بن مهيد ، وبعد أن عرف جدعان بن مهيد أن السبب لذلك هو محدى الهبداني عرض أمره على موظيفي الدولة العثمانية الذين يحكمون البلاد آنذاك ، وقال أن هذا رجل شرير جاء من نجد ليفسد البلاد ، فألقوا القبض عليه ، وزجوه بالسجن ، وبعد أن مكث مدة طويلة به ، قال هذه الأبيات بالسيد حجو صديقه الحميم :



قولوا لحجو قبل يسعى بنا الدود = حيثه فهيم الطيبة ما تفوته
يالله يا خلاق يا خير معبود = يا مظهر ذا النون من بطن حوته
ترحم غريبٍ دونه الباب مردود = توازنت عنده حياته وموته
أطلبك ترزقنا بيسرك عن الكود = هذا زمانٍ شيبتني وقوته
أشوف أنا بالناس حاسد ومحسود = ولقيت لي ناسٍ تضيع سموته
العدل ضاع وزايد الحيف ماجود = ومن صاح يبي الحق ما سمع صوته

فأخذ السيد حجو كمية من الذهب على غفلة وراح للموظفين الأتراك ورشاهم فأطلق محدى الهبداني من السجن ، ولكن محدى بعدما حصل له من الشيخ جدعان بن مهيد ما حصل ، أبت نفسه أن يسكن بينهم ، فقال هذه الأبيات بالشيخ محمد بن سمير صديقه القديم ، الذي أجاره من آل قعيشيش في أول الأمر وهي كما يلي :




ياراكب سمح المذرع من القود = أشعل طويل المتن نبه شناحي
يشدي لهيقٍ جفله حس بارود = عليه زعر منومل الملح فاحي
وشديده من عاج والنطع ماهود = ومفصلٍ باجواز ريش المداحي
تلفي أخو عذرا من الربع مقصود = زبن الهليب اللي له المنع شاحي
قل له ترى دنياي ما تازن العود = مر بيات ومر كونه صباحي
وافطن ترى دنياك خوانة عهود = صفاقةٍ عرقوبها با رتماحي
ويا شيخ ما دامت لكسرى وداود = كم دور ربعٍ كيفوا به وراحي
ياما صبرنا ياخو عذرا على الكود = نصبر ولا نطلب ايدينٍ شحاحي
عزي لمن مثلي من الغبن ملهود = وعما تريد النفس يقصر جناحي
من يوم بانن المغاتير بالسود = بطل جهلنا يوم بان الوضاحي
ويا شيخ با مبعد عنا كل مضهود = يا مزبنه وان ضاق فيه البياحي
ياما لجينابك عن الحيف والزود = يوم أنها قلت علينا المشاحي
والله مادامي على القاع ماجود = منساك يا طير السعد والفلاحي


ثم قال قصيدة أخرى بالشيخ عبدالكريم الجربا شيخ قبائل شمر بالعراق :




يالله يا خلاق صبحٍ بثر ليل = باذنك عسى تسمع لعبدك سواله
تفزع لمضهودٍ وطا راسه الشيل = ما بين كاف ونون تنعش حواله
يا دارنا عفناك من زايد الميل = عيفة عديمٍ شاف نقص لجلاله
يا دار يا دار الخطا والتهاويل = حقك لمقلول الرفاقه نواله
يا دار ما يسكن بك الا قوي حيل = يقضي لحاجاته بسيفه لحاله
يا ربعنا هيا نوينا المحاويل = نروح عن دار العيا والضلاله
سموا وطيعوني على الزمل ونشيل = لعبدالكريم اللي تذكر فعاله
للشيخ نطاح الوجيه القبابيل = ومن صكته غبر الليالي عناله
الدار دار وكل دارٍ بها كيل = والرزق عند اللي عظيم جلاله

ثم رحل الى الشيخ عبدالكريم الجربا ، والتجأ اليه فأكرمه الشيخ اكراماً بالغاً ، وذات يوم وهو جالس عند الشيخ عبدالكريم في مجلسه ، أهدي للشيخ عبدالكريم جواد من الخيل الأصايل وقبلها وفي الحال قدمها الى محدى الهبداني وكانت جواداً من أحسن جياد العرب ، فقام واحد من الجالسين من شمر الى محدى وقال له : أسألك بالله يامحدى أن تخبرني أي من عبدالكريم الجربا اوجدعان بن مهيد أحب الى نفسك ؟ فقال محدى : ويحك لا تسألني بالله ، فكرر عليه الشمري ثلاث مرات ومحدى يتهرب من السؤال ، وبعد ذلك قال محدى : أقسم لك بما سألتني به أن (غليون ) جدعان بن مهيد عندما ينفث منه الدخان ويعطيني أمزه يسوى عندي عبدالكريم الجربا وقبيلة شمر ، وعندما سمع ذلك الشيخ عبدالكريم ثارت ثائرته وقال للشمري الذي سأل محدى : أنا أحرم عليك أن تسكن منازل شمر ، وان علمت أنك ساكن في منازل شمر سوف أقطع راسك ، وطرده من مجلسه ، والتفت الى محدى وقال له : أشكرك على ما قلت ، ولو قلت غير ذلك لاستهجنتك ، فأمر رجاله أن يحضروا خمسة عشر ناقة من الأبل الوضح ، أي البيض ، وقال هذه هديه مني لك مع الجواد الأبيض ، تقديراً لموقفك من شيخك جدعان بن مهيد ، الذي هو شيخ الفدعان ، وبقي عند الشيخ عبدالكريم الجربا معززاً مكرماً ،، وذات يوم كان الشيخ عبدالكريم الجربا غازياً قبيلة عنزة التي هي قبيلة الهبداني وكان محدى برفقته ، وأثناء سيرهم لحق بهم شخص من شمر على قلوصه ، مبشراً عبدالكريم أنه رزق بمولود ، فقال له بعض أصحاب عبدالكريم أذهب وبشر محدى الهبداني بالمولود ، وكان محدى منتحياً من طرف القوم ، وعندما بشره الرسول أجابه قائلاً : لا بشرك الله بخير ، وأسأل الله أن المولود الذي بشرتني به لا يبلغ سن الفطام ، فقال البشير ويحك يامحدى لماذا تقول هذا بأبن الشيخ عبدالكريم ؟ فقال : نعم أقول ذلك لأنني أخشى أن يترعرع وينمو وتكتمل رجولته ثم يكون مثل ابيه فيقضي على البقية الباقية من عنزة ، فضحك القوم من قول محدى ففي الكلمة نكته وأعجاب ، وعندما علم الشيخ عبدالكريم كلام محدى مع الذي جاء يبشره بالمولود ضحك كثيراً وقال : ما يقوله محدى مقبول عندي ، وقد دار الحديث هذا وهم في مواطن عنزة ، وكانت قبائل عنزة قبل سنة تقطن هذه الأماكن ، وصدفه أمر عبدالكريم على القوم أن يحطوا الرحال ، ويناموا ليلتهم لأنهم كانوا آخر النهار ، وعندما نزلوا لا حظ الشيخ عبدالكريم أن محدى لم يقر له قرار ، وكان يسير على قدميه من حول القوم وكأنه يبحث عن ضالة ، فدعاه الشيخ عبدالكريم قائلاً له تفضل يا محدى لأن القهوة والشاي قد حضرا فأتى محدى عابس الوجه ، تبدو عليه علامات التفكير والذهول ، لاحظ منه ذلك الشيخ فقال له : ما بك يامحدى ؟ فقال : لا شئ يا سكران المجانين ، وكان هذا الأسم يطلق على الشيخ عبدالكريم عند قبيلة شمر ، وقبيلة عنزة ، فكرر عليه الشيخ السؤال ، فقال : هل تعرف هذه الأماكن التي نحن الآن بها ؟ فقال : نعم أعرفها ، قال محدى : أنها منازل عنزة بالعام الماضي ، وهذه حدودهم ، وكنت بالعام الماضي أقطنها معهم ، وقد عرفت منزل كل شيخ منهم حولنا ، فقال الشيخ عبدالكريم : وهل قلت شيئاً يا محدى بذلك ؟ فقال : نعم قلت ، فأنشد هذه الأبيات :



يا دار وين اللي بك العام كاليوم = ما تقل مرك عقب خبري نجوعي
خالٍ جنابك بس يلعي بك البوم = ما كن وقف بك من الناس دوعي
شفت الرسوم وصار بالقلب مثلوم = وهلت من العبرة غرايب دموعي
وين الجهام اللي بك العام مردوم = وظعون مع قدوة سلفها تزوعي
أهل الرباع مزبنة كل مضيوم = وأهل الرماح مظافرين الدروعي
راحوا لنا عدوان وحنا لهم قوم = ولا ظنتي عقب التفرق رجوعي
وان صاح صياحٍ من الضد مزحوم = تجيك دقلات السبايا فزوعي
صفرٍ يكاظمن الأعنه بهن زوم = يخلن سكران المجانين يوعي
يركب عليهن باللقى كل شغموم = فريس والله ما تهاب الجموعي
خيالهم ينطح من الخيل حثلوم = يوم الأسنه بالنشامى شروعي
ويا شيخ أنا عندك معزز ومحشوم = ويمضي علي العام كنه سبوعي
لا شك قلبي بالوفا صار ما سوم = لربعي وأنا يا شيخ منهم جزوعي
وعيني لشوف الحيف ما تقبل النوم = والقلب يجزع بين هدف الضلوعي
ويا شيخ ابا وصفك يا مفني الكوم = يالصاطي القطاع حسن الطبوعي
حلياك حرًيفني الصيد ملحوم = متفهق الجنحان حر قطوعي
حر علم بالصيد من غير تعلوم = يودع بداد الريش شت مزوعي

وعندما أكمل الهبداني قصيدته ، قال الشيخ عبدالكريم أطمئن ياصديقي ، أننا في الصباح راجعون الى ديارنا لأنني لا أحب أن أجد قبيلة عنزة ويحصل بيني وبينهم صطدام وأنت معي ، لأنك منهم ولأنك جار عزيز عندنا وأنني أقدر هذه الحمية فبك ، ولا ألومك بما قلت بقومك ، وعندما بلغ الشيخ جدعان بن مهيد ما حصل من سؤال الشمري في مجلس الشيخ عبدالكريم الجربا ، وعن هذه القصيدة الأخيرة التي قالها عند عبدالكريم الجربا ، أرسل الى محدى وفداً يدعونه ليرجع اليهم وأن له كل ما يطبه ، وأنه سيبقى عندهم معززاً مكرماً ، ولن يعصوا له أمراً ، ولا توجه اليه اهانة ، فاعتذر محدى من الشيخ عبدالكريم الجربا ، واستأذنه بالرحيل ، فسمح له بعد أن أنعم عليه وأكرمه ، ورجع الى الشيخ جدعان بن مهيد شاكراً لعبدالكريم الجربا فضائله وكرمه وأخلاقه ، وبقي عند جدعان زمناً طويلاً مكرماً الى أن تذكر بلاده نجد وحن اليها ، واشتاق أن يحج لبيت الله العتيق ، ويزور مسجد نبيه الكريم ، فاستأذن من الشيخ جدعان ورحل من بلادهم الى بلاد نجد مع قبيلته آل فضيل ، ورجع الى موطنه ومسقط رأسه نجد العزيزه ، وحج بيت الله وزار مسجد نبيه بعد أن قال هذه الأبيات :



يالله ياللي ما دخيلك يضامي = ياللي عفيت وحل لطفك على أيوب
أطلبك يا محيي هشيم العظامي = والي ولا غيرك ولي ومطلوب
يالله تجمع شملنا بالتمامي = يا عاقل يوسف على أبوه يعقوب
بجاه من صلى لوجهك وصامي = تفتح لنا من باب لطفك لنا بوب
وبجاه من لبى ولبس الحرامي = ورقى على الجبل قاضي النوب
يا عالمٍ باللي خفى من كلامي = تبهج فواد اللي على البيت منعوب
يالله يا مسقي كبود ظوامي = من مي زمزم نافل كل مشروب
هيا ودنوا لي ركابٍ همامي = نبي نزور اللي على القلب محبوب
نبينا نضفي عليه السلامي = وحنا علينا الحج فرضٍ ومكتوب

هذه ترجمة محدى بن فيصل الهبداني أستقيتها من الطاعنين بالسن من رجال قبيلة عنزة وغيرهم كم بها من جوانب عامره وفضائل معجبة .

عساف دخنان
01/05/08, (04:21 PM)
خلف الأذن



نسبه – فروسيته – شعره – الوضيحي مع خلف وشعره في ذلك – الشاعر بن قويفل – خلف الأذن مع مشائخ قومه آل شعلان – حروب قبيلته مع أبن مهيد – قتل تركي بن مهيد – أبن مهيد من أبرز الشخصيات وأكرمها – الشعر في مقتل بن مهيد – أسر محدى الهبداني – شعر في ذلك – قتل مشائخ بني صخر – فهد بن جزاع وعداوته لخلف الأذن – قصة جواد خلف – خلافه مع النوري – شعره في ذلك – وفادته على سعود بن رشيد – قصته مع زامل وشعره في ذلك – قتله من قبل غزاة من شمر – لجوء أبن عدلان من شمر الى خلف وأكرامه له وهو مقطوع الأيدي – اغارة آل زيد من آل شعلان قبيلة خلف على التومان من شمر وقتلهم فيصل بن سند الربع زعيم التومان ........ الخ .

هو الفارس الصنديد والشاعر المجيد ، خلف الزيد الأذن الشعلان من عائلة آل شعلان الكبيرة رؤساء قبيلة الرولة المشهوره من عنزة ، هذه العائلة تنقسم الى أربعة أفخاذ ، آل نايف والرئاسة متسلسله فيهم الى الآن ، وآل مشهور وآل مجول وآل زيد الذين منهم خلف الأذن ، وعائلة الشعلان مشهوره بين القبائل وقد برز منهم عدد من الأبطال كانوا مضرباً للامثال بالشجاعة ، وقد قال شاعر شمر بصري الوضيحي متحدياً معرضاً هذه الأبيات وذكر فيها مجولاً والدريعي ، مجول جد آل مدول ، والدريعي جد آل مشهور ، والأبيات كما يلي :



أبا أتمنى كان هي بالتماني = صفرا صهاة اللون قبا طليعي
وسروال تومان ومثل الشطاني = ومصقلٍ مثل الثغب له لميعي
أبي ليا لحق الطلب له غواني = والخيل معها مجول والدريعي
أردها وان كان ربي هداني = من المعرقة ياتي على الخد ريعي
أردها لعيون صافي الثماني = بيض النحور مهلكات الرضيعي
قدام شمر مثل زمل الصخاني = اللي يخلون المخالف يطيعي


وقد قدر للوضيحي أن يغزو مع بنيه الجربا شيخ شمر على الرولة من عنزة ، قبيلة آل شعلان التي منها مجول والدريعي ، فقد أغار (بنيه ) هو وفرسانه على أبل الرولة وأخذوها ، ولحقهم الدريعي ومجول كما تمنى الشاعر بصري الوضيحي ، ومعهم فرسان من قبيلة الرولة ليخلصوا الأبل من شمر ، ففكوا الأبل وراحوا يطاردون الجربا وفرسان شمر وقد حمي الوطيس بينهم ، ويقال أن الدريعي بن شعلان ضرب فارساً من فرسان شمر بالسيف وطار رأسه من على منكبيه وعندما رآه بصري الوضيحي دهش من هول الضربة ، فولى هارباً وترك قومه ، وقد دافع فرسان شمر دفاعاً بطولياً وتخلصوا من فرسان الشعلان ، وعندما وصل ( بنيه ) الجربا مضارب عشيرته ، كان غاضباً على بصري الوضيحي لما رآه من جبنه وفراره ، فدعاه ليحقق معه وليؤنبه على فراره ، وعندما سأله أجاب الوضيحي بهذين البيتين على بحر وقافية الأبيات
التي قبلها :



أنا بلاية لا بسين القطاني = اللي يخلون المخالف يطيعي
من فوق قب مكرمات سماني = يشدن شياهين تخطف مريعي


وبعد أن سمع كلامه ، حكم عليه أن يغسل جواده بالصابون ثلاث مرات بين فرسان شمر ، ليطهر جسمها ، لأنه لا بستحق ركوبها ، وكانت هذه الفرس من الخيل الخاصة ( لبنيه ) الجربا ، ثم قال فيهم أحد شعراء شمر المسمى أبن قويفل :




يا مزنة غرا تقافي رعدها = تمطر على دار الدريعي ونايف
خله على الوديان تذهب ولدها = بديار مكدين المهار العسايف
تملا الخباري للدريعي بردها = بقطعان عجلات على الما زهايف
يا ذيب يا شاكٍ من الجوع عدها = كان أنت لرماح الشعالين ضايف
تلقى العشا صفراً صخيفٍ جسدها = من كف ستر معطرات العطايف
وكم سابقٍ بالكف عاقوا جهدها = مضرابها بالجوف ما هو مسايف
من كف شغموم ورد من هددها = أو شايبٍ شيبه من الخيل هايف
كم قالةٍ قفوا بها ما بعدها = راح يتولاها الدريعي ونايف
حالوا وراها ودونها هم لددها = وقد عوضوا طلابها بالحسايف
تنشبت محدٍ يحلل عقدها = ومن دونها يروون بيض الرهايف


ثم قال فيهم أبن قويفل أيضاً هذه القصيدة وذكرهم جميعاً :



اللي يكفون الشوارب بالأيمان = هبيت يا حظٍ تنحيت عنهم
أقفيت عن ربعك عيال أبن شعلان = اللي كما شل الروايا طعنهم
ما ينتخون الا بعليا وعليان = وأن حل ضرب مخلصٍ جيز منهم
لباسةٍ عند المظاهير شيلان = صديق عينك ما يطيح بحضنهم
نزل الخلا ما هم فراقين سكسان = ما سقسقو للعنز تتبع ظعنهم
قطعانهم وان شرقت تقل غزلان = وان غربت مثل البرد هاك عنهم
القلب ما ينسى طويلين الأيمان = اللي يقزون العدو عن وطنهم


وقد قيل في آل شعلان أشعار كثيرة ، ولهم تاريخ حافل بالبطولات والكرم الفياض .
ونرجع الى الشيخ خلف الأذن ، فالمذكور عاصر ثلاثة من أبناء عمه آل نايف الذين فيهم الرئاسة وهم سطام الحمد ، وفهد الهزاع ، والنوري الهزاع ، وقبل هؤلاء المشايخ وفي مطلع شبابه كان قد ادرك آخر حياة الشيخ فيصل بن نائف الشعلان شيخ قبيلة الرولة ، وغزا معه مرة واحدة ، قتل فيها الشيخ العواجي ، وكان هؤلاء المشايخ لم ينسجم معهم خلف الاذن ، ودائماً والخلافات قائمة بينهم ، والسبب لذلك هو شخصية خلف الفذة وطموحه وشجاعته ، فأبناء عمه الرؤساء يأمرون احياناً بأوامر لايستسيغها ويرفضها ، ولذلك فهم يحقدون عليه وليس باستطاعتهم ان ينفذوا أوامرهم عليه بالقوة ، لانه لايمكن ان يتجرأ عليه احد ، ثابت الجنان ، وشجاع فذ ، وصارم فتاك ويلتف حوله ابناء عمه آل زيد ، وكلهم ابطال ، ومن ناحية اخرى فهم يحترمونه لهذه الخصال التي ذكرناها ويذخرونه للملمات ، لانه برز بشجاعته وتفوق بفروسيته ، وجندل من اعدائه عدداً كبيراً ، وكان لا يقتل إلا الفارس الذي له شهرة وقد قتل عدداً من شيوخ القبائل وسوف نأتي بذكرهم ، وبعد أن قتل هؤلاء المشائخ سميي بأبي الشيوخ ، أي قاتل الشيوخ ، ولازال معروفاً بنجد بهذا الاسم ، فإذا قيل الشيخ خلف الأذن ، أضافوا إليه أبا الشيوخ .
وفي عهد مشيخة سطام بن شعلان أغار الشيخ تركي بن مهيد شيخ قبيلة الفدعان ، على إبل عائلة الزيد الشعلان ، وهم غائبون عنها ، وأخذ أبلاً كثيرة منهم ، ومن ضمنها ، إبل ابن عم خلف الأذن ، المسمى ( عرسان أبو جذلة ) آل زيد ، وهذه الإبل مشهورة بنجد ، وتسمى ( العلي ) وألوانها وضح أي بيض ، وقد تأثر عموم الشعلان لهذا الأمر، إلا أن الشيخ سطام بن شعلان رئيسهم يعارضهم بذلك ، لأنه مصاهر للشيخ تركي بن مهيد ، زوجته تركيه أخت الشيخ تركي بن مهيد ، ولا يحب أن يقع بينه وبين أصهاره خلاف ، ويود أن يفاوض تركي بن مهيد ويحل القضية حلاً سلمياً ، ولكن تركي بن مهيد رفض كل عرض عرضه سطام الشعلان ، وتأزمت القضية وأصر خلف الأذن وأبن عمه عرسان أبو جدله وبقية آل زيد على أن يأخذوا ثأرهم من أبن مهيد بالقوة ، وأخيراً أنضم إليهم عموم آل شعلان ، وأنضم إليهم عموم مشائخ الرولة ، وقد تحير في الأمر الشيخ سطام ، لأنه يكره أن يهاجم صهره الشيخ تركي بن مهيد ، بصفته هو رئيسهم ، وإن لم يعمل بذلك فليطلبوا من النوري بن شعلان أن يقودهم لمهاجمة تركي بن مهيد وأخذ الثأر منه ، وأسترجاع الأبل منه ، ولابد من تنفيذ أحد الأمرين .. وعندما أتوا الشيخ سطام وعرضوا عليه ماقرروه ، وعرف أن الأمر جد ، وكان الشيخ سطام من أدهى الرجال وأذكاهم ، ومن أحذرهم وأحذقهم وكان مخفياً لأسراره ، وقد قال به أبن عمه محمد بن مهلهل بن شعلان قصيدة هذا بيت منها :



يمشي مع الضاحي ويخفي مواطيه = ويكمى السحابه وأنت توحي رعدها


يعد أن لاحظ تصميم عموم آل شعلان أبناء عمه قرر أن يكون معهم ، وأن يكون زحفهم الصباح ، وكان بن مهيد على مقربة منهم ، وأرسل شخصاً بصفة سريه لينذر أبن مهيد ، ولكن ابن مهيد عندما وصل إليه الرسول وأخبره بكلام صهره سطام قال له أرجع إلى سطام وأخبره بأنني لست ممن يقعقع له بالشنان ... فلن أبرح مكاني هذا حتى أردهم خاسرين ، وكان شجاعاً ومقداماً ، وقد سبق السيف العذل ، وحصل الهجوم الكبير من قبائل الرولة ، وظهرت كراديس الخيل ، وفي مقدمتهم فرسان آل شعلان ، وأولهم النوري الهزاع ، وخلف الأذن أبا الشيوخ ، وحصلت المعركة وحمي الوطيس ، وكان تركي بن مهيد لابساً درعاً وخوذة ، وقد وقف بالميدان موقف الأبطال ، وعجز الفرسان أن يتغلبوا عليه ، وقد أختار خلف الأذن تلاً عالياً ووقف عليه ، على صهوة جواده المسماة ( خلفة ) ولم يشترك بالمعركة إلا بعد أن لاحظ عجز الفرسان عن التغلب على تركي بن مهيد ، عندها أنقض عليه واختطفه من فوق جواده وترجل به على الأرض وضربه بسيفه ( شامان ) على أنفه ، إلى أن طار أنفه ، وتركه وراح يطارد بقية الفرسان ، بعد أن قال لمن حوله من فرسان قبيلة الرولة : إن هذا تركي بن مهيد ، وقصده من ذلك أن يقتله من كان حاقداً عليه ، وقد تداعى عليه فرسان الرولة وقتلوه وكان خسارة كبرى على قبيلة الفدعان ، وهو من أشجع الرجال ، وكان يضرب به المثل بالكرم الحاتمي ، ويسمونه ( مصوت بالعشا ) ، أي أنه بعد المغرب يأمر أحد رجاله فيعلو مرتفعاً من حوله ثم يرفع صوته منادياً من كان يريد العشا فليتفضل ، هذه من خصال المرحوم الشيخ تركي بن مهيد ، وبعد أنتصار الشعلان وقتلهم أبن مهيد وأخذهم جميع أمواله ، وأموال قبيلة الفدعان ، وسترجاع الإبل ( العلي ) إبل
( عرسان أبو جذلة ) أبن عم خلف الأذن قال خلف هذه القصيدة ، مفاخراً بها ، وملمحاً بها عن الموقف :



حنا عصينا شيخنا من جهلنا = الشيخ شيال الحمول الثقيله
وارخص غلاهم واشتري به زعلنا = الله يمهل به سنين طويله
وأنا أحمد الله طار عنا فشلنا = جعل مصبه فوق راس الغليله
إن قدم المركب وعنده حقلنا = كم راس شيخٍ عن كتوفه نشيله
هذي فعول جدودنا هم وأهلنا = بالسيف نقدي تايهين الدليله
ما ننعشق للبيض لو ما فعلنا = ولا تلكد بعقوبنا كل أصيله


وعندما علم محدى الهبداني الشاعر المشهور بمقتل الشيخ تركي بن مهيد ، وكان محدى من أصدقاء والد تركي الشيخ جدعان ، قال هذه القصيدة يتوعد خلف الأذن بأخذ الثأر :



يا خلف الآذان بالك تغبا = يذكر لنا عندك قعودٍ جلابه
بالحرب عندي لك حمولٍ تعبا = وبيني وبينك يالرويلي طلابه
إن ما خذينا الثار وإلا نهبا = ويبقى علينا عقب تركي جنابه
نصبر ولا بد الهبايب تهبا = ونجيك فوق القحص مثل الذيابه
نريد ثار اللي ببطنك مسبا = شيخ الشيوخ اللي عزيزٍ جنابه


فأجابه خلف الأذن بهذه القصيدة :



كان أنت يا محدى لعلمي تنبا = عيبٍ على اللي ما يثمن جوابه
أنشد وتلقاني على سرج قبا = مع سربة الآذان والا الشيابه
قب لعصمين الشوارب تربى = يا ما غدا بظهورهن من طلابه
كم شيخ قومٍ من طعنا تكبا = وعدونا سم الأفاعي شرابه
أشبع عيالك جعل قلبك يهبا = شاعر نور تلعب على أبو عتابه
لو أنت من حصن الرمك ما تشبا = من عذرة الساجور واللي ربابه


ومن الصدف الغريبة أن محدى الهبداني غزا قبيلة الروله مع غزية من قبيلة الفدعان ، وهاجموهم وأخذوا منهم عدداً من الإبل ، وهبت قبيلة الروله لتخليص أبلهم ، وفعلاً هزموا قبيلة الفدعان المغيرين ، وخلصوا ابلهم ، وأسروا عدداً من فرسان الفدعان ، ومن بين المأسورين
( محدى الهبداني ) ، أسره أحد فرسان الروله ، وأخذ جواده منه ، وكان محدى الهبداني صديقاً للشيخ محمد بن سمير شيخ قبيلة ( ولد علي ) من عنزة ، وبعد أن علم بذلك خلف الأذن أرسل إلى محمد بن سمير هذه القصيدة :



يا راكبين أكوار حيلٍ عراميس = يقطعن ميد مساهمات الحزومي
حيلٍ تذب أكوارها بالنسانيس = ياحلو مرواح الضحا عقب نومي
إن روحن مثل الحمام المماريس = ركابهن ما يستضف الهدومي
صبح أربع في غيبة الجن وابليس = يلفن لبيوت الرفاقه لزومي
يلفن محمد زبن خيل المراويس = الوايلي زبن الحصان العزومي
قل له ترى حنا خذينا النواميس = بسعود مولانا قوي العزومي
وتجارتك يا شيخ ضاعت من الكيس = تفرقت لمقطعين الخرومي
وراحن عليمات الهبيدي بسابيس= خلوه بقياع الشجر تقل بومي
كيف الوهم يرمي عرود القرانيس = ما به صواب وعاجزٍ لا يقومي
عاقوه ربعٍ يبعدون المناطيس = أهل المهار منزحين الخصومي
وان جا نهارٍ فيه جدع الملابيس = يابنت عن مثله هاك اليوم شومي

عساف دخنان
19/05/08, (02:19 PM)
وحيث أن الخلاف بين خلف الأذن والشيخ سطام بن شعلان لا زال قائماً ، وبالرغم مما بينهم من جفوه ، فعندما حصل بين الشيخ سطام بن شعلان وبين مشائخ بني صخر خصام أدى إلى أن زحف عليهم سطام بقبائل الرولة من الأراضي السورية ، وكان مشائخ بني صخر مع قبائلهم بأراضي البلقا ، والسبب لذلك أن آل فايز رؤساء بني صخر أخذوا إبل النيص عبد أبن شعلان بطريق الغدر ، ومشائخ بني صخر كانوا أعداء ألداء للشيخ خلف الأذن ، فقد أعجبه تصميم أبن عمه سطام على زحفه على بني صخر ، وكان به شئ من تحقيق رغبته وقد حصلت المعركة بين آل شعلان وبني صخر وهزم بني صخر وشردوا عن بلادهم ، وبعضهم هرب إلى جهات الغور وفي هذه المعركة قتل خلف الأذن عدداً من مشائخ بني صخر ، ومن المعروفين منهم الشيخ طه ، والشيخ مناور ، والشيخ سطعان ، وقد قال خلف الأذن بهذه المعركة قصيدتين ، الأولى أثنى على الشيخ سطام بن شعلان ، رغم ما بينهما من الجفوة ، ولكنه كان راضياً عنه ، لأنه شفى غليله من أعدائه آل فايز وآل زبن رؤساء بني صخر ، وهذه القصيدة الأولى :



عيا الفهد ما كل الأشوار طاعه = قصَار من شارب خصيمه ليا زاد
من صافي البالود فيه القطاعه = مفراص بولاد الدول هم والأكراد
علمان زاع وسمَح الله ذراعه = قواطر يهز الريش من غير قواد
بين الفدين وبين بصري مزاعه = غصبِ على شبلي وعسمٍ على طراد
نبي ندور اعويس راع البياعه = إن جو من الكروه على الملح مداد
يا عويس لك عندي بالأيام ساعه = يوم يعيف سابقك كل الأفواد
اللي نحر حوران حط الرتاعه = واللي تقلع من ورا الهيش من غاد
أبا الظهور اللي يحفظ الوداعه = مثل صباح ارميح والطرش ما قاد
سرنا على نزلٍ تلافح رباعه = للطرش قهار ولللم جلاد
باولاد عم كل أبوهم جماعه = عاداتهم بالكون ضكات الأضداد
كم سابقٍ جتنا بالأيادي قلاعه = وكم راس شيخ طاح بسيوف الأولاد
وقطعانهم صارت لربعي طماعه = وقمنا نعزَل بيننا شقح الأذواد


أما القصيدة الأخرى فقد ذكر فيها مقتل الشيوخ من بني صخر ، وقال : إنكم يابني صخر شجعان وكرماء ولكنكم تمتازون ( بالبوق ) والغدر والخيانة ، وهذه صفات غير محموده بين العرب ، ثم قال : إن جديكم فرج وأسعد عثر حظهم وما فادوكم رغم أنكم تتباركون بهم ، وهاهم شيوخكم قتلى على الأرض ، ولم ينجدكم أجدادكم ، وهو يقصد من ذلك أن بني صخر كانوا يعقرون العقائر على قبور أجدادهم ومنهم فرج وأسعد ، ويتباركون بهما ، ويدعونهما بالملمات أن يفرجوا كربهم ، ويستنصرون بهم على أعدائهم ، وهذا شرك ولا شك فالمعين هو الله سبحانه وتعالى ، وهذه هي القصيدة :



يا رميح لولا البوق ما أنتم رديين = بذبح العديم وصبكم للأدامي
يا رميح وضح النيص ما عقبن شين = هنف الخشوم ونابيات السنامي
بنيت بيوت الحرب حد اللبابين = وشقح تنازي بالمشاتي مظامي
وثار الدخن ما بين كل القبيلين = بمزربط يكسر متين العظامي
وجبنا حلي الريش زين على زين = وبنت الشيوخ يصدغه بالخزامي
وطه ومناور والشيوخ المسمين = ذباحهم ما هو بحال الأثامي
ياذيب صوت للنسور المجيعين = أرع الشيوخ مجدعه بالكزامي
وفرج مع أسعد لا يعوهم شياطين = ويا رميح حظ أجدودكم بانخدامي
جوكم هل ( العليا ) عيال الشعالين = فوق المهار مثورات العسامي
ياما فجوا غرات بدوٍ عزيزين = وياما وقع بنحورهم من غلامي
على طراد الضد يا رميح قاسين = ومكللين سيوفهم بالهوامي
دجنا بوسط دياركم يا مساكين = ومنا تقلدتم قلوب النعامي
تقلعوا للغور يم العداوين = وعيونكم من همنا ما تنامي


وبعد هذا لم يترك شيوخ بني صخر خلف الأذن ، بل أخذوا يتربصون به لعلهم يأخذون ثأرهم منه لأنه ذبح عدداً من شيوخهم ، وكان من عادة الشعلان إذا رحلوا من نجد الى الأراضي السورية لا يمشون مجتمعين بل كل عائلة منهم يكون معهم قسم من قبيلة الرولة ، وكان من عاداتهم أن أول من يتقدم بالمسيرة هم عائلة آل مجول ومعهم قسم من الرولة ، ثم عائلة آل المشهور ومعهم قسم منهم ، ثم عائلة آل نايف الرؤساء ومعهم قسم منهم ، ثم عائلة آل زيد ومعهم قسم منهم وهذه عائلة خلف الأذن ، وكان شيوخ بني صخر بقيادة الشيخ طراد بن زبن قد فهموا عنهم هذه الطريقة في المسير فكمنوا في موقع قرب آبار ميقوع ، المنهل المعروف في وادي السرحان لأخذ الثأر من خلف ألأذن ، وقد أستنجد طراد بن زبن بفرسان قبيلة السردية ، بقيادة الشيخ الجنق ، ومعه الشيخ شلاش بن فايز ، وشلاش المذكور شجاع مقدام ويسمى الضمان أي أنه يضمن إبل قبيلة بني صخر من الأعداء ، إذا كان حاضراً عندها ، وعندما قرب خلف الأذن من الماء المذكور في طريقهم إلى سورية سبقتهم الأبل لتشرب وكان الشيخ خلف على أثرها بالظعينة ، ومعه أبناء عمه آل زيد ومن معهم من قبيلة الرولة ، وكان كل واحد منهم على هجينة مستجنباً جواده آمنين وهم يتقدمون الظعائن ، وقد مروا على نسر قشعم نازل الأرض وعندما قربوا منه راح يمشي على رجليه عاجزاً عن الطيران من شدة الجوع ، فألتفت إليه خلف الأذن وقال : كم أتمنى لو يكون معركة قرب هذا النسر العاجز عن الطيران من الجوع ليعتاش من القتلى ليطير فضحك رفاقه ، وبعد مضي دقائق من كلامه أشرفوا على آبار ميقوع ، وإذا بالخيل قد أخذت إبلهم وحالت بينهم وبين الإبل فنزلوا عن هجنهم وراحوا يلبسون دروعهم وركبوا خيلهم ، وأغاروا على الفرسان الذين أخذوا إبلهم وتبين لهم أنهم من بني صخر وآل سردية غرمائهم المشهورين ، وقد حمي الوطيس ، ودارت رحى المعركة بضراوة، وكان يوماً عبوساً ، وبعد عناء طويل خلص الشعلان إبلهم من العدو ، وراحوا يطاردونهم ، إلى أن قتل خلف الأذن الشيخ شلاش ، ثم قتل الشيخ الجنق أما الشيخ طراد فقد نجا لأن جواده كان سريعاً جداً فلاذ بالفرار ، وعجز الشعلان عن اللحاق به ، وقد غنموا خيولاً كثيرة ، وقد أنتصروا أنتصاراً رائعاً على بني صخر وأعوانهم ثم قال خلف الأذن هذه القصيدة بعد أنتصارهم :



الله يكون جرى عند ميقوع = كونٍ ينشر به غيارات واقماش
يوم التهينا نلبس الجوخ ودروع = واعرض لنا الطابور من دون الادباش
المنع يا ركابة الخيل مرقوع = من نيش باطراف المزاريج ما عاش
كم راس شيخ من تراقيه مشلوع = وأول سعدنا وطية الحمر لشلاش
والجنق أخذ من رايب الدم قرطوع = من عقب شربه للقهاوي على فراش
خللي عشاً لمهرفل الذيب مجدوع = والضبعه العرجا تدور به عراش
والشايب اللي قفونا يشكي الجوع = لو هو حضرنا نفض الريش وعتاش
زيزومهم عقب الصعاله غدا طوع = عقب الهدير أستثفر الذيل ونحاش
وأنا على اللي تكسر الذيل مرفوع = تشوش وان سمعت مع الخيل شوباش

لقد تحققت أمنية الشيخ خلف الأذن حينما تمنى أن تقع معركة حتى يأكل النسر القشعم ، وفعلاً سقطت الضحايا على الأرض وما أكثرها ومن بينها الشيوخ .
أما الشيخ طراد بن زبن فهو لم ييأس من أخذ الثار ، وقد تابع عدوانه على قبيلة الرولة ، ويقال أنه غزا وهاجم الرولة في أرض الحماد ، بالقرب من حرة عمود الحماد التي تقع شرقاً من وادي لسرحان ، وصادف أن غارته في صباح أحد الأعياد وقد هزمه الرولة وأثناء رجوعه صادفه النوري بن شعلان وخلف الأذن ومعهم عدداً من الفرسان فطاردوه وقتلوا وأسروا قسماً كبيراً من الفرسان ، أما طراد فقد نجا في المعركة ، وقد قال خلف الأذن في هذه المناسبة هذه القصيدة :



يالله يالمطلوب يا عادل الصاع = إن كان عندك للأجاويد ثابه
أنك تمشينا على درب الأسناع = ياللي لداع الخير ما صك بابه
الضرس يعباله عن السهر مقلاع = حتى تنام العين ما هي طلابه
يا طراد حلوا بك مواريث هزاع = عايدت قومٍ وعايدوك الشيابه
صغيرهم لو هو على الديد رضاع = سنه شطير يكسر العظم نابه
يا طراد راحت بك طويلات الأبواع = والشيب حل بسربتك والتهى به
وردوا هل العليا كما ورد الأقطاع = على غديرٍ ما كفاهم شرابه
ذيب المحيضر مخصب عقب ما جاع = مكيف يلعب على أبو عتابه
يبون جل بكارنا شقح الأقطاع = وشرهوا على هاك البيوت المهابه
وصحنا عليهم صيحةٍ تبري الأوجاع = وصارت قلايعهم بالأيدي نهابه
وطراد عقب سيوفنا صار مطواع = ضاعت عزومه عقب هاك الصعابه
ياما عملنا الطيب لا شك به ضاع = ماشٍ على درب الردا والخيابه



وأردف خلف الأذن قائلاً هذه القصيدة :



حرً شلع من راس عال الطويلات = للصيدة اللي حط خمسه وراها
غز المخالب بالثنادي السمينات = وتل القلوب وبالضماير فراها
يلعن أبو هاك الوجيه الرديات = أبرد من الزرقا على صقع ماها
وفنخور أبو جبهه كبير المطيرات = رجلٍ قطع من شقته واكتساها
بايع منيعه بالثمن للحويطات = من العيب وافر لحيته ما حماها
وابن جريد من هل المقعديات = ما حاشت الصفحه لعينٍ ثواخا
يا طراد ما عيت ذود النصيرات = عيت سواعد لحيتك من رداها
أجيك باللي يدركون الجمالات = ربعٍ معاديهم طوالٍ خطاها
إلى تنادوا بينهم بالمثارات = كم قالةٍ وقفوا على منتهاها
شعلان فاجوكم على الخيل عجلات = فوق المهار اللي تساعل حذاها


وبعد هذه المعركة لم تقم لطراد وجماعته قائمة ، خاصه مع قبائل الرولة .

عساف دخنان
19/05/08, (02:41 PM)
وبهذه الفترة تولى الشيخ فهد الهزاع شقيق النوري ، بعد أن توفى الشيخ سطام بن شعلان ، وورث كراهية خلف الأذن عن سطام ، وقد حصل خلاف بين خلف الأذن وجماعة من الرولة ، أستفحل إلى أن قتل خلف أثنين منهم ، ولم يستطع غرماؤه أن يتجرأوا عليه ، ويأخذوا ثأرهم منه عجزوا عن ذلك ، وأخيراً توسط الشيخ فهد الهزاع على أن خلف يدفع دية لأقارب المقتولين ، وأشترط أن يدفع على الديه جواده ( خلفه ) وقبل خلف أن يدفع ديتين ، ولكنه رفض أن يدفع فرسه ( خلفه ) ولاحظ خلف من أبن عمه فهد ميلاً مع غرمائه ، وأنه لم يشترط دفع الفرس إلا ليأخذها لنفسه ، عندما حصل ذلك وهم بالأراضي السورية أمر خلف جماعته آل زيد بأن يرحلوا لنجد ، وبعد أن تحرك ظعنهم من سورية إلى نجد ركب جواده ( خلفه ) بعد أن لبس لباس الحرب وجاء إلى بيت الشيخ فهد الهزاع وكان فهد جالساً في مجلسه ، فوقف على جواده أمام البيت ، وأرتجل هذه الأبيات موجهها إلى الحارس المقرب للشيخ وهو ( أبو دامان ) وقال :


البدو عنا شرقوا يابو دامان = وكل من النقرة تقضى حواله
إن جيت ملعون الكديد أبن جدلان = إن ما رضي والله فلاني بحاله
أدخل على الله يوم مكنونها بان = ورزقي على اللي سامكات جباله
مانيب أنا ولد الحدب وابن ضبان = اللي يتالونه على شان ماله
ربعي هل العليا طويلين الأيمان = أهل النقا والطيب إن جا مجاله
معهم بني عمي عيال أبن شعلان = ياما كلوا من عين قالة وقاله
فهود الزراج ليا غشى الجو دخان = إن ضيعت وضح العشاير عياله
(خلفه) معديها مع أولاد جمعان = اللي يعرفون الثنا والجماله
باغ عليها يوم روغات الأذهان = وكلٍ هفا به فعل جده وخاله
ألكد عليها واجعل العمر ما كان = والشيخ وأن شافن يصيبه جفاله
أنا على (خلفه) وبالكف (شامان) = وكم راس شيخٍ عن تراقيه شاله

قال هذه القصيدة غير مبالي بأحد ، ثم لحق بظعينته ، وقد سكت الشيخ فهد كأن شيئاً لم يكن .
هذه من نوادر خلف الأذن وما أكثرها ، وعندما عرف غرماء خلف أنه تجرأ على الشيخ بهذه القصيدة ،عرفوا أن الحق ليس بالسهل تحصيله من خلف ، أرسلوا له صاغرين وطلبوا منه أن يدفع دية رجالهم بالطريقه المتبعه بين قبائلهم وتنازلوا عن طلبهم للجواد ( خلفه ) .
وفي بعض الأيام مرضت جواده خلفه وأخذ مدة لم يستطع ركوبها ، فأنشد هذه الأبيات :



أنا برجوى الله ورجوى العبيه = أنا على ركبه غشيشٍ رعا كبس
وبالكف من صنع الهنادي قضيه = عليه من دم المخالف تقل دبس
أجي مع أول سربةٍ مرعضيه = واصير بنحور النشامى لهم حبس
قدام ربعٍ كل ابوهم دنيه = الكد ملاكيدٍ لفارس بني عبس
الله على يومٍ ضحاه اعشويه = عج السبايا في نهاره تقل قبس
قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

ولابد للقارئ أن يلاحظ آخر بيت في القصيدة حيث يقول :


قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

فهو بذلك يشير إلى الشيخ فهد لأنه شعر بحيفه عليه ، ولذلك فهو يحس بالضيم منه ، لقد طالت الكراهيه والجفوه بين فهد الشعلان وأبن عمه خلف الأذن ، الى أن أخذ خلف يبتعد عن الشيخ فهد حتى تولى الشيخ النوري الشعلان رئاسة قبائل الرولة ، وأستمر الخلاف والكراهية بينه وبين خلف الأذن ، وعندما رأى خلف أن الشيخ النوري بن شعلان يبتعد عنه ولا يأخذ الرأي منه قال
هذه القصيدة :


يا شيخ يا شيخ الشيوخ أبن شعلان = عندك صليب الراي ما تستشيره
خمسين سيف ما يسدن بشامان = خله لعجات السبايا ذخيره
إنشد هل العادات ذربين الأيمان = ويخبرك عني من يعرف السريره
إن ثار عج الخيل في كل ميدان = تلقى علومي يابن عمي كبيرة
أقلط على الفارس بروغات الأذهان = واخوض غبات البحور الخطيرة
أشيل راسه من مزابير الأمتان = ولا عاد يذكر كل شره وخيره
السيف يشهد لي ويشهد لي الزان = ويشهد بفعلي من سكن بالجزيره
ما يختفي فعلٍ تقفاه برهان = والعين ما شافت بليا نظيره
ربعي هل العليا اليا ثار دخان = مثل الزمول اللي تقاصف هديره
إن رددوا بالكون عليا وعليان = حريبهم ترجع علومه صغيره
ربعٍ على جرد الرمك شانهم شان = ويرعون بحدود النمش كل ديره

وقد تطور الخلاف حتى أن أحد أبناء خلف الأذن المسمى ذياباً أطلق النار على النوري بن شعلان والأسباب هي كما يلي :
أدعى الشيخ النوري أن خلف الأذن تعدى على شئ كان بوجهه ، وأخذ يطالب خلف الأذن بإرجاعه ، وخلف أصر على العصيان ، ثم جاء النوري ومعه جماعه على خيولهم جاء الى خلف وهو في بيته ، ولم يكن عنده أحد من أبنائه ، أو أبناء عمه ، وقد وصل إليه النوري بدون أن يشعر به ، وغير متأهب له ، فوقف النوري على جواده بالقرب من خلف ، وأخذ يوبخ خلفاً ويتهدده ، وكان أبنه منتحياً بعيداً عن البيت ، ولكنه عندما رأى الخيل واقفه بالقرب من بيت ابيه ، ولاحظ أن الرجال الذين على ظهورها لم يترجلوا وأنهم مسلحون فقد أرتاب منهم وجعل البيت بينه وبين أهل الخيل متقياً به ، وأسرع إلى أن دخل البيت من خلفه وتناول بندقيته ، وسمع توبيخ النوري لوالده ، وكان والده بغاية الحرج ، فظهر عليهم من البيت وعندما أبصره والده ناداه ناخياً له ، وقال : أذبح الرجال يا ذياب ، فأطلق النار على النوري مصوباً البندقية إلى جبينه ، ولكن الطلقة أصابت عقال النوري من فوق رأسه ، فولى النوري على جواده مسرعاً ، وأتبعه رفاقه ، ومر بخيل خلف الأذن وهن يرعن بعيداً عن البيت ، فأخذهن وذهب بهن ، وعندما أراد ذياب أن يلحق النوري مسلحاً قال له أبوه : لا تلحق النوري لأننا لا نحب مداماة أبناء عمنا ، ويمكن أن نسترجع الخيل بطريقة أسهل من هذه ، وعندما وصل النوري إلى بيته أرسل بعض خدامه بالخيل التي أخذها من خلف إلى خيوله لترتع معهن ، وكان ذياب بن خلف قد لاحظ ذلك عن بعد ، وعندما رأى خدم الشيخ النوري ذهبوا بالخيل تقدم قبلهم وأخذ لهم الطريق الذي يمكن أن يسلكوه هذا وهم لم يشعروا به ، وعندما قربوا منه رفع راسه إليهم وقال : هل تعرفونني ؟ قالوا : نعم أنت عمنا ذياب ، وكان مشهوراً بالشجاعة ، وبإصابة الهدف ، فقال لهم : أقسم بالله أن تنزلوا مع مؤخرة الخيل مرغمين وإذا حاول احداً منكم أن ينزل مع جنب جواده فسيلقى منيته ، فاعتمدوا أوامره ونزلوا مع مؤخرة الخيل وذهب بها لوالده خلف ، وبعد هذه المشكلة ابتعد خلف عن النوري ، وبقي أكثر من ثلاث سنين لم يرى النوري وقال هذه القصيدة :


البارحه والعين عيت تغفي = عيت تذوق النوم لا واغليله
النار شبت ما لقت من يطفي = أوجس على كبدي سواة المليله
تبينت ما عاد فيها تخفي = ومن ربعنا شفنا بالأيام عيله
خسران من يتبع رفيقٍ مقفي = والقلب يجفل كل ما شاف ميله
ما ينفع الخايف كثير التخفي = واللي قسم للعبد لازم يجي له
كم سربةٍ خليتها تستخفي = وأرويت عطشان السيوف الصقيله
وأقلط على اللي بين ربعه مشفي = والخيل من فعلي تزايد جفيله
يالله لا تقطع مرادي بشفي = صفرا صهاة اللون تنهض شليله
ومحضرٍ صنع العجم ما يعفي = الراس من فوق المناكب يشيله
ومزرجٍ يالقرم يصلح لكفي = منقيه من سبع الكعوب الطويله
مع ربعةٍ بالبيت دايم تهفي = يجوز للربع النشامى مقيله
ودلال ما عنهن سنا النار كفي = حميلهن بالبيت مثل النثيله
وذودٍ مغاتير على الحوض صفي = بين الأباهر خططوهن بنيله
مع بنت عم ٍ أصلها ما يهفي = إن درهم المظهور فأنا دخيله

عساف دخنان
19/05/08, (02:42 PM)
وفي آواخر أيام خلف الأذن ذهب إلى الأمير سعود بن عبدالعزيز بن رشيد أمير حائل ليزوره ويتعرف عليه ، وكان سعود بن رشيد حديث سن ، وكل الأمور بحائل يديرها الأمير زامل بن سبهان المعروف ، وقد أكرم آل رشيد خلف الأذن الشعلان إكراماً جيداً ، وصدفه جاء شاعر من إحدى القبائل زائراً لأبن رشيد ، وعندما كان أبن رشيد في مجلسه وعنده زامل السبهان وكان خلف بين الجالسين وكان الشاعر الذي جاء لأبن رشيد أيضاً جالساً معهم وكان زامل السبهان هو كل شيئ لأبن رشيد وهو الذي يتكلم بالمجلس ، التفت زامل السبهان إلى خلف الأذن وقال : نحب أن تساجل هذا الشاعر لنعرف مقدرتك يابن شعلان بالشعر ؟ فغضب خلف الأذن ، واعتبر هذه إهانه له من زامل ، لأنه يرى نفسه أكبر من أن يساجل شاعراً في مجلس بن رشيد ، خاصه أن هذا الشاعر ليس بمستواه ، فقام من المجلس وأرسل هذه القصيدة لزامل يهجوه فيها ، ويطلب إحضار هجينه ليسافر إلى بلاده وقومه بالشمال ، وقد حاول أبن رشيد كثيراً أن يسترضي خلف ، ولكنه رفض وأصر ، والقصيدة كما يلي :



زامل ينشدني وأنا وين ويني = هبيت يا هرجٍ بليا لباقه
الشين شين وماكر الشين شيني = عدو جد ولا بقلبك صداقه
الله يخونك كان ما تشتهيني = لو تحكي لي بالعلوم الدقاقه
غديت مثل معايد القريتيني = لا جبت خير ولا تبعت الرفاقه
أنا بلايه من صديقٍ بطيني = بقعا تصفقني على غير فاقه
فنجال طين ولا نت فنجال صيني = تبرك مباريك الجمل وانت ناقه
إرخص لنا وارسل لسمحه تجيني = اعتاق عبدٍ مشتهين فراقه


وبعد مدة غير طويله كان خلف الأذن نازلاً في أطراف الحره التي بين الحماد ووادي السرحان ، وكان نائماً في بيته هاجمهم غزاة من قبيلة شمر في منتصف الليل ، وقبل أن يعلموه أطلقوا عدداً من العيارات الناريه على خلف في فراشه داخل بيته فقتل هو وزوجته وهما نائمان ، وكان مريضاً وقد طعن بالسن .... وهكذا أنطوت صفحة ( أبا الشيوخ ) الفارس المغوار خلف الأذن ، وكان هذا في النصف الأول من القرن الرابع عشر ، وكان خلف الأذن رحمه الله مشهوراً بالكرم وحسن الضيافة ، وإكرام الجار ، وقد أثنى عليه الشيخ عجلان بن رمال الشمري بهذه القصيدة وبين فيها أن الجار خلف دائماً عزيز مكرم وهي كما يلي :



يا راكبٍ حمرا عليها الهتيمي = حط القطيمي فوق ساقه وداره
حمرا تضيم الدو ما تستضيمي = تلقى العتاري حاشيات عذاره
مشتاه من عذفا إلى أم الصريمي = ومرباعها اللبه تقطف قاره
تمشي من المركوز وقت الجهيمي = والظهر حط رعون كبدٍ يساره
حمرا وكن ظلالها له جريمي = تخطف الثايه بتالي نهاره
ملفاك صياد الشيوخ العديمي = إن ضيعت شقح العشاير حواره
اللي قصيره كل يومٍ حشيمي = ما يقهر الرحلي إلى جا مداره
والضيف عنده في جنان النعيمي = يلقى الكرامه قبل يبدي خباره
وإن صار بالمشتى ليال الصريمي = ذباح نابية القرا من بكاره
وعوق العديم ولا يهاب الغريمي = كم فارسٍ اهفاه ما وخذ ثاره
عيال الشيوخ منوخين الخصيمي = يزين طبعه عقب هاك الصطاره
وقبُ إلى جا الصبح جاله رهيمي = عليهن اللي يدمحون السماره


وعائلة الزيد مشهوره بالكرم وإعزازهم لجارهم ، وقد ألتجأ عندهم شخص من شمر يقال أن أسمه أبن عدلان وهو مبتور اليدين ، ويقال أن الذي بترهما هو أحد حكام آل رشيد ، وبقي جاراً لهم فترة طويلة ، وكان مستجيراً بالشيخ خلف الأذن وأخويه ضامن وشاهر ، وقد أعزوه وأقسموا على أنفسهم أن يقوموا بإطعام جارهم بأيديهم ، وعندما يحضر الطعام لجارهم يأتون بملعقه ويناولونه طعامه ، ويشاركونه بأكله ، وقد أشار إليهم الشيخ عجلان بن رمال في قصيدته المذكوره أعلاه ، ومما يبدو لي أن نهاية حياة خلف الذن تشابه نهاية حياة الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي والمكان الذي قتل به خلف قريب من الموقع الذي قتل به المتنبي وفي مقتلهما نوع من التشابه ، إلا أن خلف الأذن يمتاز بالشجاعة ، وحسبما فهمته من الرواة أن عدد المشايخ الذين قتلهم خلف الأذن بحومة الوغى كما يلي :

الشيخ ( تركي بن مهيد ) من الفدعان
الشيخ ( شلاش ) بن بخيت بن فايز من بني صخر
الشيخ ( الجنق ) شيخ قبيلة السرديه
الشيخ ( مناور ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( طه ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( سطعان ) بن زبن من شيوخ بني صخر
الشيخ ( دريبي ) من الزبن
وشيخ من آل هذال
والشيخ العواجي .

حيث قال أحد شعراء الرولة المسمى ( مغب الدريعي ) هذه القصيدة بالمعركة التي حصلت بين الشعلان والعواجي ( بنقرة الحيران ) وكان قائد الشعلان فيصل بن شعلان وبهذه المعركة قتل الشيخ خلف الأذن العواجي ، وهذه القصيدة :



حرٍ شلع يوم البواشق مخامير = عدل المناكب مسفهل الحجاجي
شهر من الوديان وأسند مع الشير = وفي نقرة الحيران صاد العواجي
أيمن مكاسيبه وطا الجوف وصوير = وايسر مكاسيبه وطن النباجي
بشرقي جبال غنيم جبنا المغاتير = وضحٍ تلاعج كنها عظم عاجي
راجوا بروس الشلف مثل العصافبر = وعلى صنمهم محمل الخيل راجي
وادلى خلف فيهم كما يدلي الطير = وصاد العواجي في مثار العجاجي
راجت عليه معسكرات المسامير = قبً تعلوهن فهود الزراجي


ومن أجل ذلك سمي بأبي الشيوخ .
ولم يترك آل زيد الشعلان أقارب خلف الأذن ثأرهم ، فعندما علموا أن التومان من شمر قتلوا خلفاً ذهبوا إلى الأمير نواف النوري الذي كان مضطلعاً بشؤون قبائل الرولة ، ويخلف والده بقيادة القبيلة ، ذهبوا إليه وطلبوا منه أن يقودهم إلى مهاجمة شمر ، لأخذ ثأر الشيخ خلف الأذن ، وفعلاً أجاب ندائهم وألتفت حوله قبائل الرولة وغزا من أراضي الحماد قاصداً مهاجمة شمر الذين يقطنون بالقرب من منهل الدويد المعروف ، وفعلاً أغار على قبائل شمر هناك وكان يرأسهم فيصل بن سند الربع من مشايخ قبيلة التومان من شمر ، وقد أخذ الشعلان إبلهم وقتل قريطان بن شاهر الزيد الذي هو أبن أخي خلف الأذن قتل فيصل بن سند الربع زعيم التومان وغنم جواده وأخذ إبله وكانت هي إبل والده من قبله سند الربع المعروف ، وبهذه المعركة شفى آل زيد غليلهم وثأروا للشيخ خلف الأذن .
هكذا حدثنا الرواة من الرولة ومن قبائل عنزة الأخرى ومن شمر عن حياة هذا البطل المغوار والشاعر المبدع .. وهكذا طويت صفحة مشرقة حيه من نماذج فرسان العرب المعلمين .