المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تكملة عن خلف الأذن


عساف دخنان
19/05/08, (02:34 PM)
وبهذه الفترة تولى الشيخ فهد الهزاع شقيق النوري ، بعد أن توفى الشيخ سطام بن شعلان ، وورث كراهية خلف الأذن عن سطام ، وقد حصل خلاف بين خلف الأذن وجماعة من الرولة ، أستفحل إلى أن قتل خلف أثنين منهم ، ولم يستطع غرماؤه أن يتجرأوا عليه ، ويأخذوا ثأرهم منه عجزوا عن ذلك ، وأخيراً توسط الشيخ فهد الهزاع على أن خلف يدفع دية لأقارب المقتولين ، وأشترط أن يدفع على الديه جواده ( خلفه ) وقبل خلف أن يدفع ديتين ، ولكنه رفض أن يدفع فرسه ( خلفه ) ولاحظ خلف من أبن عمه فهد ميلاً مع غرمائه ، وأنه لم يشترط دفع الفرس إلا ليأخذها لنفسه ، عندما حصل ذلك وهم بالأراضي السورية أمر خلف جماعته آل زيد بأن يرحلوا لنجد ، وبعد أن تحرك ظعنهم من سورية إلى نجد ركب جواده ( خلفه ) بعد أن لبس لباس الحرب وجاء إلى بيت الشيخ فهد الهزاع وكان فهد جالساً في مجلسه ، فوقف على جواده أمام البيت ، وأرتجل هذه الأبيات موجهها إلى الحارس المقرب للشيخ وهو ( أبو دامان ) وقال :


البدو عنا شرقوا يابو دامان = وكل من النقرة تقضى حواله
إن جيت ملعون الكديد أبن جدلان = إن ما رضي والله فلاني بحاله
أدخل على الله يوم مكنونها بان = ورزقي على اللي سامكات جباله
مانيب أنا ولد الحدب وابن ضبان = اللي يتالونه على شان ماله
ربعي هل العليا طويلين الأيمان = أهل النقا والطيب إن جا مجاله
معهم بني عمي عيال أبن شعلان = ياما كلوا من عين قالة وقاله
فهود الزراج ليا غشى الجو دخان = إن ضيعت وضح العشاير عياله
(خلفه) معديها مع أولاد جمعان = اللي يعرفون الثنا والجماله
باغ عليها يوم روغات الأذهان = وكلٍ هفا به فعل جده وخاله
ألكد عليها واجعل العمر ما كان = والشيخ وأن شافن يصيبه جفاله
أنا على (خلفه) وبالكف (شامان) = وكم راس شيخٍ عن تراقيه شاله

قال هذه القصيدة غير مبالي بأحد ، ثم لحق بظعينته ، وقد سكت الشيخ فهد كأن شيئاً لم يكن .
هذه من نوادر خلف الأذن وما أكثرها ، وعندما عرف غرماء خلف أنه تجرأ على الشيخ بهذه القصيدة ،عرفوا أن الحق ليس بالسهل تحصيله من خلف ، أرسلوا له صاغرين وطلبوا منه أن يدفع دية رجالهم بالطريقه المتبعه بين قبائلهم وتنازلوا عن طلبهم للجواد ( خلفه ) .
وفي بعض الأيام مرضت جواده خلفه وأخذ مدة لم يستطع ركوبها ، فأنشد هذه الأبيات :



أنا برجوى الله ورجوى العبيه = أنا على ركبه غشيشٍ رعا كبس
وبالكف من صنع الهنادي قضيه = عليه من دم المخالف تقل دبس
أجي مع أول سربةٍ مرعضيه = واصير بنحور النشامى لهم حبس
قدام ربعٍ كل ابوهم دنيه = الكد ملاكيدٍ لفارس بني عبس
الله على يومٍ ضحاه اعشويه = عج السبايا في نهاره تقل قبس
قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

ولابد للقارئ أن يلاحظ آخر بيت في القصيدة حيث يقول :


قلبي عليهم واردات دليه = والكبد من ضيم الرفاقه بها يبس

فهو بذلك يشير إلى الشيخ فهد لأنه شعر بحيفه عليه ، ولذلك فهو يحس بالضيم منه ، لقد طالت الكراهيه والجفوه بين فهد الشعلان وأبن عمه خلف الأذن ، الى أن أخذ خلف يبتعد عن الشيخ فهد حتى تولى الشيخ النوري الشعلان رئاسة قبائل الرولة ، وأستمر الخلاف والكراهية بينه وبين خلف الأذن ، وعندما رأى خلف أن الشيخ النوري بن شعلان يبتعد عنه ولا يأخذ الرأي منه قال
هذه القصيدة :


يا شيخ يا شيخ الشيوخ أبن شعلان = عندك صليب الراي ما تستشيره
خمسين سيف ما يسدن بشامان = خله لعجات السبايا ذخيره
إنشد هل العادات ذربين الأيمان = ويخبرك عني من يعرف السريره
إن ثار عج الخيل في كل ميدان = تلقى علومي يابن عمي كبيرة
أقلط على الفارس بروغات الأذهان = واخوض غبات البحور الخطيرة
أشيل راسه من مزابير الأمتان = ولا عاد يذكر كل شره وخيره
السيف يشهد لي ويشهد لي الزان = ويشهد بفعلي من سكن بالجزيره
ما يختفي فعلٍ تقفاه برهان = والعين ما شافت بليا نظيره
ربعي هل العليا اليا ثار دخان = مثل الزمول اللي تقاصف هديره
إن رددوا بالكون عليا وعليان = حريبهم ترجع علومه صغيره
ربعٍ على جرد الرمك شانهم شان = ويرعون بحدود النمش كل ديره

وقد تطور الخلاف حتى أن أحد أبناء خلف الأذن المسمى ذياباً أطلق النار على النوري بن شعلان والأسباب هي كما يلي :
أدعى الشيخ النوري أن خلف الأذن تعدى على شئ كان بوجهه ، وأخذ يطالب خلف الأذن بإرجاعه ، وخلف أصر على العصيان ، ثم جاء النوري ومعه جماعه على خيولهم جاء الى خلف وهو في بيته ، ولم يكن عنده أحد من أبنائه ، أو أبناء عمه ، وقد وصل إليه النوري بدون أن يشعر به ، وغير متأهب له ، فوقف النوري على جواده بالقرب من خلف ، وأخذ يوبخ خلفاً ويتهدده ، وكان أبنه منتحياً بعيداً عن البيت ، ولكنه عندما رأى الخيل واقفه بالقرب من بيت ابيه ، ولاحظ أن الرجال الذين على ظهورها لم يترجلوا وأنهم مسلحون فقد أرتاب منهم وجعل البيت بينه وبين أهل الخيل متقياً به ، وأسرع إلى أن دخل البيت من خلفه وتناول بندقيته ، وسمع توبيخ النوري لوالده ، وكان والده بغاية الحرج ، فظهر عليهم من البيت وعندما أبصره والده ناداه ناخياً له ، وقال : أذبح الرجال يا ذياب ، فأطلق النار على النوري مصوباً البندقية إلى جبينه ، ولكن الطلقة أصابت عقال النوري من فوق رأسه ، فولى النوري على جواده مسرعاً ، وأتبعه رفاقه ، ومر بخيل خلف الأذن وهن يرعن بعيداً عن البيت ، فأخذهن وذهب بهن ، وعندما أراد ذياب أن يلحق النوري مسلحاً قال له أبوه : لا تلحق النوري لأننا لا نحب مداماة أبناء عمنا ، ويمكن أن نسترجع الخيل بطريقة أسهل من هذه ، وعندما وصل النوري إلى بيته أرسل بعض خدامه بالخيل التي أخذها من خلف إلى خيوله لترتع معهن ، وكان ذياب بن خلف قد لاحظ ذلك عن بعد ، وعندما رأى خدم الشيخ النوري ذهبوا بالخيل تقدم قبلهم وأخذ لهم الطريق الذي يمكن أن يسلكوه هذا وهم لم يشعروا به ، وعندما قربوا منه رفع راسه إليهم وقال : هل تعرفونني ؟ قالوا : نعم أنت عمنا ذياب ، وكان مشهوراً بالشجاعة ، وبإصابة الهدف ، فقال لهم : أقسم بالله أن تنزلوا مع مؤخرة الخيل مرغمين وإذا حاول احداً منكم أن ينزل مع جنب جواده فسيلقى منيته ، فاعتمدوا أوامره ونزلوا مع مؤخرة الخيل وذهب بها لوالده خلف ، وبعد هذه المشكلة ابتعد خلف عن النوري ، وبقي أكثر من ثلاث سنين لم يرى النوري وقال هذه القصيدة :


البارحه والعين عيت تغفي = عيت تذوق النوم لا واغليله
النار شبت ما لقت من يطفي = أوجس على كبدي سواة المليله
تبينت ما عاد فيها تخفي = ومن ربعنا شفنا بالأيام عيله
خسران من يتبع رفيقٍ مقفي = والقلب يجفل كل ما شاف ميله
ما ينفع الخايف كثير التخفي = واللي قسم للعبد لازم يجي له
كم سربةٍ خليتها تستخفي = وأرويت عطشان السيوف الصقيله
وأقلط على اللي بين ربعه مشفي = والخيل من فعلي تزايد جفيله
يالله لا تقطع مرادي بشفي = صفرا صهاة اللون تنهض شليله
ومحضرٍ صنع العجم ما يعفي = الراس من فوق المناكب يشيله
ومزرجٍ يالقرم يصلح لكفي = منقيه من سبع الكعوب الطويله
مع ربعةٍ بالبيت دايم تهفي = يجوز للربع النشامى مقيله
ودلال ما عنهن سنا النار كفي = حميلهن بالبيت مثل النثيله
وذودٍ مغاتير على الحوض صفي = بين الأباهر خططوهن بنيله
مع بنت عم ٍ أصلها ما يهفي = إن درهم المظهور فأنا دخيله

عساف دخنان
19/05/08, (02:38 PM)
وفي آواخر أيام خلف الأذن ذهب إلى الأمير سعود بن عبدالعزيز بن رشيد أمير حائل ليزوره ويتعرف عليه ، وكان سعود بن رشيد حديث سن ، وكل الأمور بحائل يديرها الأمير زامل بن سبهان المعروف ، وقد أكرم آل رشيد خلف الأذن الشعلان إكراماً جيداً ، وصدفه جاء شاعر من إحدى القبائل زائراً لأبن رشيد ، وعندما كان أبن رشيد في مجلسه وعنده زامل السبهان وكان خلف بين الجالسين وكان الشاعر الذي جاء لأبن رشيد أيضاً جالساً معهم وكان زامل السبهان هو كل شيئ لأبن رشيد وهو الذي يتكلم بالمجلس ، التفت زامل السبهان إلى خلف الأذن وقال : نحب أن تساجل هذا الشاعر لنعرف مقدرتك يابن شعلان بالشعر ؟ فغضب خلف الأذن ، واعتبر هذه إهانه له من زامل ، لأنه يرى نفسه أكبر من أن يساجل شاعراً في مجلس بن رشيد ، خاصه أن هذا الشاعر ليس بمستواه ، فقام من المجلس وأرسل هذه القصيدة لزامل يهجوه فيها ، ويطلب إحضار هجينه ليسافر إلى بلاده وقومه بالشمال ، وقد حاول أبن رشيد كثيراً أن يسترضي خلف ، ولكنه رفض وأصر ، والقصيدة كما يلي :



زامل ينشدني وأنا وين ويني = هبيت يا هرجٍ بليا لباقه
الشين شين وماكر الشين شيني = عدو جد ولا بقلبك صداقه
الله يخونك كان ما تشتهيني = لو تحكي لي بالعلوم الدقاقه
غديت مثل معايد القريتيني = لا جبت خير ولا تبعت الرفاقه
أنا بلايه من صديقٍ بطيني = بقعا تصفقني على غير فاقه
فنجال طين ولا نت فنجال صيني = تبرك مباريك الجمل وانت ناقه
إرخص لنا وارسل لسمحه تجيني = اعتاق عبدٍ مشتهين فراقه


وبعد مدة غير طويله كان خلف الأذن نازلاً في أطراف الحره التي بين الحماد ووادي السرحان ، وكان نائماً في بيته هاجمهم غزاة من قبيلة شمر في منتصف الليل ، وقبل أن يعلموه أطلقوا عدداً من العيارات الناريه على خلف في فراشه داخل بيته فقتل هو وزوجته وهما نائمان ، وكان مريضاً وقد طعن بالسن .... وهكذا أنطوت صفحة ( أبا الشيوخ ) الفارس المغوار خلف الأذن ، وكان هذا في النصف الأول من القرن الرابع عشر ، وكان خلف الأذن رحمه الله مشهوراً بالكرم وحسن الضيافة ، وإكرام الجار ، وقد أثنى عليه الشيخ عجلان بن رمال الشمري بهذه القصيدة وبين فيها أن الجار خلف دائماً عزيز مكرم وهي كما يلي :



يا راكبٍ حمرا عليها الهتيمي = حط القطيمي فوق ساقه وداره
حمرا تضيم الدو ما تستضيمي = تلقى العتاري حاشيات عذاره
مشتاه من عذفا إلى أم الصريمي = ومرباعها اللبه تقطف قاره
تمشي من المركوز وقت الجهيمي = والظهر حط رعون كبدٍ يساره
حمرا وكن ظلالها له جريمي = تخطف الثايه بتالي نهاره
ملفاك صياد الشيوخ العديمي = إن ضيعت شقح العشاير حواره
اللي قصيره كل يومٍ حشيمي = ما يقهر الرحلي إلى جا مداره
والضيف عنده في جنان النعيمي = يلقى الكرامه قبل يبدي خباره
وإن صار بالمشتى ليال الصريمي = ذباح نابية القرا من بكاره
وعوق العديم ولا يهاب الغريمي = كم فارسٍ اهفاه ما وخذ ثاره
عيال الشيوخ منوخين الخصيمي = يزين طبعه عقب هاك الصطاره
وقبُ إلى جا الصبح جاله رهيمي = عليهن اللي يدمحون السماره


وعائلة الزيد مشهوره بالكرم وإعزازهم لجارهم ، وقد ألتجأ عندهم شخص من شمر يقال أن أسمه أبن عدلان وهو مبتور اليدين ، ويقال أن الذي بترهما هو أحد حكام آل رشيد ، وبقي جاراً لهم فترة طويلة ، وكان مستجيراً بالشيخ خلف الأذن وأخويه ضامن وشاهر ، وقد أعزوه وأقسموا على أنفسهم أن يقوموا بإطعام جارهم بأيديهم ، وعندما يحضر الطعام لجارهم يأتون بملعقه ويناولونه طعامه ، ويشاركونه بأكله ، وقد أشار إليهم الشيخ عجلان بن رمال في قصيدته المذكوره أعلاه ، ومما يبدو لي أن نهاية حياة خلف الذن تشابه نهاية حياة الشاعر الكبير أبي الطيب المتنبي والمكان الذي قتل به خلف قريب من الموقع الذي قتل به المتنبي وفي مقتلهما نوع من التشابه ، إلا أن خلف الأذن يمتاز بالشجاعة ، وحسبما فهمته من الرواة أن عدد المشايخ الذين قتلهم خلف الأذن بحومة الوغى كما يلي :

الشيخ ( تركي بن مهيد ) من الفدعان
الشيخ ( شلاش ) بن بخيت بن فايز من بني صخر
الشيخ ( الجنق ) شيخ قبيلة السرديه
الشيخ ( مناور ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( طه ) من شيوخ بني صخر
الشيخ ( سطعان ) بن زبن من شيوخ بني صخر
الشيخ ( دريبي ) من الزبن
وشيخ من آل هذال
والشيخ العواجي .

حيث قال أحد شعراء الرولة المسمى ( مغب الدريعي ) هذه القصيدة بالمعركة التي حصلت بين الشعلان والعواجي ( بنقرة الحيران ) وكان قائد الشعلان فيصل بن شعلان وبهذه المعركة قتل الشيخ خلف الأذن العواجي ، وهذه القصيدة :



حرٍ شلع يوم البواشق مخامير = عدل المناكب مسفهل الحجاجي
شهر من الوديان وأسند مع الشير = وفي نقرة الحيران صاد العواجي
أيمن مكاسيبه وطا الجوف وصوير = وايسر مكاسيبه وطن النباجي
بشرقي جبال غنيم جبنا المغاتير = وضحٍ تلاعج كنها عظم عاجي
راجوا بروس الشلف مثل العصافبر = وعلى صنمهم محمل الخيل راجي
وادلى خلف فيهم كما يدلي الطير = وصاد العواجي في مثار العجاجي
راجت عليه معسكرات المسامير = قبً تعلوهن فهود الزراجي


ومن أجل ذلك سمي بأبي الشيوخ .
ولم يترك آل زيد الشعلان أقارب خلف الأذن ثأرهم ، فعندما علموا أن التومان من شمر قتلوا خلفاً ذهبوا إلى الأمير نواف النوري الذي كان مضطلعاً بشؤون قبائل الرولة ، ويخلف والده بقيادة القبيلة ، ذهبوا إليه وطلبوا منه أن يقودهم إلى مهاجمة شمر ، لأخذ ثأر الشيخ خلف الأذن ، وفعلاً أجاب ندائهم وألتفت حوله قبائل الرولة وغزا من أراضي الحماد قاصداً مهاجمة شمر الذين يقطنون بالقرب من منهل الدويد المعروف ، وفعلاً أغار على قبائل شمر هناك وكان يرأسهم فيصل بن سند الربع من مشايخ قبيلة التومان من شمر ، وقد أخذ الشعلان إبلهم وقتل قريطان بن شاهر الزيد الذي هو أبن أخي خلف الأذن قتل فيصل بن سند الربع زعيم التومان وغنم جواده وأخذ إبله وكانت هي إبل والده من قبله سند الربع المعروف ، وبهذه المعركة شفى آل زيد غليلهم وثأروا للشيخ خلف الأذن .
هكذا حدثنا الرواة من الرولة ومن قبائل عنزة الأخرى ومن شمر عن حياة هذا البطل المغوار والشاعر المبدع .. وهكذا طويت صفحة مشرقة حيه من نماذج فرسان العرب المعلمين .